فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 566

وقد وصل بعضهم بالآيات المنسوخة إلى بضع مئات، وهذا كلام مُنْكَر، وقد رفضه الراسخون في العلم، والشبهة التي قامت في ذهن الخازن ـ غفر الله له ـ أنه ظن آيات الجهاد تُعارِض الآيات التي ذكرها، وهو ظن مستبعد!

بل إن البعض يرى قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) (التغابن: 16) ناسخًا لقوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته) (آل عمران: 102) كأن بين الآيتين تناقضًا، ولا تناقض إلا في دماغه هو!

لقد رأيت القائلين بالنسخ يتورَّطون في مهازل، وعلة هذا أنهم بعيدون عن التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، سواء كان هذا التفسير يتبع قضية واحدة في طول القرآن وعرضه، أو كان استكشافًا للوَحْدة التي تشمل أجزاء السورة، والتي تجعل آياتها معالم لصورة بينة التقسيم، مُتَعانِقة المعاني والأهداف.

وعلى أية حال، فما من آية في كتاب الله قيل بنسخها إلا كان هناك قول آخر بإحكامها، حتى ما كان ظاهره النسخ مثلُ قوله تعالى: (الآن خفَّف اللهُ عنكم وعَلِم أن فيكم ضعفًا فإن يكنْ منكم مائةٌ صابرةٌ يَغلِبوا مائتين) (الأنفال: 66) .

قال كثيرون: كان الحكم الشرعي أن يَثبُتَ الواحد لعشرة من الأعداء ثم خُفِّف بالثبات أمام اثنين!

وقال المحققون: الحكم الثابت والعزيمة الماضية أن يقف الواحد أمام عشرة ما دام قادرًا صابرًا آملًا في النصر أو راغبًا في الشهادة، على أن له رخصةً أخرى إن عجَز، وهي أن يقف أمام اثنين ولا يؤذَن له بترك العدو أبدًا دون ذلك.

قالوا: والرخصة هنا كقصر الصلاة في السفر، فالقصر في السفر لا يَنسَخ الإتمام في الإقامة.

ومادام لم يَرِدْ قولٌ بنسخ إلا ورد معه قول بإحكام فلنستبعِدْ إبطالَ الآيات، ولنقرِّرْ أنه لا نسخ في القرآن الكريم أبدًا، إلا ما كان بمعنى تخصيص العام أو التدرجِ في التشريع.

قد يُقال: أليس يقول الله تعالى: (ما نَنسَخْ من آيةٍ أو نُنسِها نأتِ بخيرٍ منها أو مثلِها) ؟ (البقرة: 106)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت