لقد ذكر صاحب"المنار"الوجه الحق في تفسير هذه الآية، ونقلت رأيه مع تعليقات لي في كتابي"نظرات في القرآن الكريم".
وخلاصته أن الآيات نوعان تكليفية وتكوينية، والمقصودُ بالآيات التكوينية خوارقُ العادات التي يُجريها الله لتأييد أنبيائه ودعم رسالتهم. ومن هذا القبيل قوله تعالى: (وأقسَموا باللهِ جَهدَ أيمانِهم لئن جاءتهم آيةٌ لَيُؤمِنُنَّ بها) (الأنعام: 109) وقوله: (وما منَعَنا أن نُرسِلَ بالآياتِ إلا أن كذَّب بها الأولون) (الإسراء: 59) .
أما الآيات التكليفية فهي كلمات الله المتضمِّنةُ هداه لعباده. وذلك مثل قوله تعالى: (ويلٌ لكلِّ أفّاكٍ أثيمٍ. يَسمَعُ آياتِ اللهِ تُتلَى عليه ثم يُصِرُّ مستكبِرًا كأن لم يَسمَعْها..) (الجاثية: 7،8) وقوله: (تلك آياتُ الكتابِ المبينِ) (يوسف: 1) .
والنسخ يقع في الأولى ولا يقع في الأخرى، فإن المعجزة التي تصلح لأمة لا تصلح لأخرى، ولا شك أن المعجزة الأخرى التي أيَّد الله بها خاتم أنبيائه تُغاير الخوارق الحسية التي أيَّد بها الأنبياء السابقين.
وقد طلب كفار قريش وغيرهم خوارقَ حسية محددة، وجاء بعد قوله تعالى: (ما نَنسَخْ من آيةٍ أو نُنسِها..) الخ، مقترَح عجيب من هؤلاء الكفرة: (وقال الذين لا يَعلَمون لولا يُكلِّمنا اللهُ أو تأتيَنا آيةٌ) (البقرة: 118)
بل إن آية (ما ننسخْ من آيةٍ...) اتصل بها قوله تعالى: (أمْ تُرِيدون أن تَسأَلُوا رَسُولَكم كما سُئِلَ موسَى من قبلُ) (البقرة: 108)
وهو تساؤل يجعلنا نقطع بأن النسخ ليس في آيات تكليفية أو أحكام شرعية، وإنما هو في حقيقة المعجزة التي تصحب رسالات المرسلين وتشد أزرهم أمام أعدائهم. وقد كان مشركو العرب ضائقين بالمعجزة الإنسانية التي ميز الله بها محمدًا صلى الله عليه وسلم. يريدون معجزة تُسيِّر الجبال لا معجزة تصنع الرجال!