فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 566

والمنار الذي نمشي على سناه هو جو الشورى أيام الرسول ودولة الخلافة، عندما كان الحاكم تأسِّيًا برسول الله يُوجِل من الكبير، ويستكين للحق، ويستشير أهل الذكر، ويرى أنه أجير للأمة يكدح لمصلحتها، ولا حق له في أكثر من مرتبه المفروض له، ويشعر بالرهبة عندما يقال له: اتق الله. ويرى أسرته بعض الرعية الذين لا حول لهم ولا طَول، ويقتص من نفسه إذا أخطأ، أو يترك لأمناء الأمة ومشيريها أن يقتصوا منه، كما قال عمر بن الخطاب، وهو يؤدب كبار الموظفين: لقد رأيت رسول الله يقتص من نفسه!

هذه التقاليد السلفية في فن الحكم لها نظائر في شئون المال والقضاء وشتى الأوضاع الاجتماعية، بل لها نظائر في شئون العبادة.

ثم شرع المسلمون يتزحزحون عنها قليلًا حتى أمسَوْا سواد العالم الثالث، أو حثالة البشرية التي تملأ الأرض!

وذلك لأنهم ذُهلوا كل الذهول عن سنة نبيهم وتقاليد سلفهم، ولم يَعُوا من دينهم شيئًا ذا بال.

وبَدَهي أن ما حدث قديمًا يتضمن مبادئ ويرسم اتجاهات، وأن صور التنفيذ قد تتجدد على اختلاف الليل والنهار داخل النطاق الذي يصون المبدأ والوجهة.

فالجهاد حق، وندب الناس إليه قد يكون بإعلان عادي أو بصيحة"الصلاة جامعة"فهل ذلك الإعلان أو تلك الصيحة هما الآن وسيلة إعداد الجيوش وحشد المقاتلين؟ إن الوسائل تتغير والمبدأ ثابت.

والشورى حق، وكان تنفيذها قديمًا يعتمد على وسائل قليلة الكُلْفة، أو على طلب الرأي من الحاضرين، لكن الأمر الآن يتطلب أنظمة دقيقة وتراتيب واسعة.

والمشغولون بتجديد الفكر الإسلامي ينبغي أن ينظروا في هدف الوسائل المطلوبة، وأن يتخيروا منها أفضل ما يحقق الهدف ويبرز محاسن الإسلام، ولا عليهم أن يقتبسوا من هنا ومن هناك.

قال لي أحد الناس: أليس عيبًا عليك وأنت من دعاة الإسلام أن تعجب بالديمقراطية وتدعو لها؟ قلت له: الحق معك! ينبغي أن أدع الكلمات الأجنبية وأستخدم الكلمات العربية!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت