وإنما نحترمهم لقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"ليس منّا من لم يوقِّرْ كبيرَنا ويَرحَمْ صغيرَنا ويَعرِفْ لعالِمنا حقَّه".
وأحب أن أعرض نماذج متناثرة للخلاف الفقهي تومئ إلى طبيعته وعلته، أما التأصيل العلمي لأسباب الخلاف فقد شُرح في أماكن أخرى.
هل القاذف الكذاب تُقبل شهادته بعدما تتم توبته؟
من الأئمة من يرفض شهادته أبدًا وإن تاب، ومنهم من يقبلها بعد توبته.
وأصل المسألة تفسير قوله تعالى: (والذين يَرمُون المُحصَناتِ ثم لم يأتوا بأربعةِ شهداءَ فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تَقبَلوا لهم شهادةً أبدًا وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلَحوا) (النور: 4،5) .
قال البعض: الاستثناء وقع من الوصف بالفسق، وبَقيَ الحرمان من الشهادة على التأبيد.
وقال آخرون: بل الاستثناء يلحق الجملتين معًا، وتُقبل شهادته.
ليكن هذا أو ذاك، فلا حَجرَ على فَهم!
والتائبون من جريمة قطع الطريق إذا استسلموا قبل إلقاء القبض عليهم تُقبل توبتهم وتسقط عقوبتهم لقوله تعالى: (إلا الذين تابوا مِن قبلِ أن تقدِروا عليهم فاعلموا أن اللهَ غفورٌ رحيمٌ) (المائدة: 34) .
فهل يسقط الحد عمن ارتكب جريمة السرقة أو الزنى إذا تاب؟
من الفقهاء مَن أعمل القياس واستشهد بالسنة وأوقف الحد.
جاء عن أنس بن مالك: كنت عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقِمْه عليّ. قال: ولم يسأل عنه، فحضرت الصلاة، فصلى مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما قضى النبي الصلاة قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقِمْ فيّ كتابَ الله. قال:"أليس قد صليتَ معنا؟"قال: نعم. قال:"فإن الله، عز وجل، قد غفر لك ذنبك".
وهناك فقهاء آخرون يَرَون إقامة الحد رافضين القياس ومؤوِّلين الحديث الوارد.
لكلٍّ رأيُه ولا تثريب على أحد.