وخزان السيارة يَمُدُّهَا بالوقود إلى آخر قطرة فيه إلى أن يَجِيء مَدَدٌ آخر، أمَّا المَعِدَة فهي تَسُدُّ الحاجة ثم يتحول الزائد إلى شحوم تُبَطِّن الجوف وتضاعف الوزن، وذاك ما تَعجِز السيارة عنه، إنها لا تَقْدِر على أخذ"فائض"ولو افترضنا فإنها لا تقدر على تحويله إلى لَدَائِنَ تُضَاف إلى الهيكل النحيف فيَكبَرَ أو إلى الإطارات الأربعة فتَسْمَنَ!
الإنسان كائن عجيب، يَتَطَلَّع أبدًا إلى أكثر مما يكفي، وقد يقاتل من أجل هذه الزيادة الضارة، ولا يرى حرجًا أن تكون بدانةً في جسمه، فذاك عنده أفضل من أن تكون نماءً في جسد طفل فقير، أو وقودًا في جسد عامل يجب أن يتحرك ويَعرَق!
كان لي صديق يُكثر من التدخين، نظرت له يومًا في أسف، ثم سمعني وأنا أدعو الله له أن يعافيه من هذا البلاء، فقال، رحمه الله فقد أدرَكَتْه الوفاة: اللهم لا تَسْتَجِبْ ولا تَحْرِمْني من لَذَّةِ السيجارة. ولم أكن أعرف أنَّ للتدخين عند أصحابه هذه اللذةَ، فَسَكَتُّ وقد عَقَدَتْ لساني دهشةٌ.
إن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يعرف ما يَضُرُّه ويُقْبِل عليه برغبة، إنها الرغبة القاتلة!
على أن النفس التي تَشْتَهي ما يُؤْذِي يمكن أن تتأدب وتَقِف عند حدود معقولة، كما قال الشاعر قديمًا:
والنفسُ راغِبَةٌ إذا رَغَّبْتَها وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقْنَعُ
وهنا يجيء أدب الصيام، إنه يَرُدُّ النفس إلى القليل الكافي ويصدها عن الكثير المؤذي، ذاك يوم نصوم حقًّا، ولا يكون الامتناع المؤقت وسيلةً إلى التهامِ مقاديرَ أكبَرَ كما يفعل سواد الناس!