إن الرجس الذي خنق صدورهم نشأ عن عدم إيمانهم، فلما رفضوا الإيمان وغُصَّت به حلوقُهم جُوزوا بهذا الضيق والحرج، أما الذين رضُوا بالحق واستراحوا إليه فقد استحقوا الهداية العليا وكُوفئوا بشرح الصدر.
ذلك، والاختيار بين النهجَيْن يصحب المرء في كل يوم، بل في كل لحظة، وهذا هو السر في أننا نطلب من الله الهدى في صلواتنا اليومية نحو عشرين مرة بالليل والنهار.
إن ظروفًا هائلة تُحيط بنا لا تعرف إرادتنا ولا قُدُراتنا ما تصنع بإزائها، وما أشبه الإنسان بزورق هشِّ الصنع، يعوم في بحر لُجِّيٍّ يغشاه موج من فوقه سحاب، هنا يتشبَّث الإنسان بالتوفيق الإلهي ويسأل ربه النجاة.
ومن العقل أن نُمَيِّز بين الأقدار التي تحيط بنا وتتحكم فينا، والأعمال التي طُولبنا بها ونُسأل غدًا عنها!
وأرى أن إنكار الاختيار البشري فِرار من وظائف العبودية واتهام لصفات الربوبية، وهذه جريمة. ما الذي نحاوله بهذا المسلك؟
يقول الله سبحانه: (للَّذين أحسنُوا الحُسْنَى وزِيَادةٌ) (يونس: 26) ثم يقول: (والذين كسَبوا السيئاتِ جزاءُ سيئةٍ بمِثْلِها) (يونس: 27) ثم يقول عن الجزاء الأخير: (هُنالِكَ تَبلُو كلُّ نفسٍ ما أسلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللهِ مولاهم الحقِّ) (يونس: 30) فأين الظلم أو الجبر في هذا الصنيع؟