فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 275

خَلَقَ، وهذا حجاج قرآني عجيب هنا يحتاج إلى بيان وإظهار، ولكن الآن المقصود بيان نزع شرعية الجاهلية من خلال تحطيم أسانيدها أمام الجموع.

بل جاء بعد هذه الآية قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} ، فجعل النسبة هي فعل ما أمر الله تعالى لا غير من المظاهر والكلمات والدعاوى.

-ومن مظاهر النسب الخادعة التي يبطلها القرآن لأهل الجاهلية القيام على إرث الإسلام الظاهر من مساجد ومؤسسات بالرعاية المحيطة بها لا ما أقيمت من أجله من التوحيد والعبادة وإقامة الشرع المنزل، وهذا بيّن في سورة التوبة، وذلك في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} ، وجعل الإعمار الحقيقي لها ما قاله -جل في علاه-: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} ، وذكر خشية الله هنا إنما جاء لأمور: أولها أن ما يفعلونه من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام لم يكن لخشية الله، وإنما قياما لمصالحهم، والقائم على مثل هذه المؤسسات عادة ما يسكت عن الباطل مواطأة لأصحاب المال خوفًا من أن يذهب سلطانه، وهم القائلون: {إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} ، ودلّ ما بعدها من الآيات على هذا المعنى في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ} ، وقد شاء -جل في علاه- فقال بعدها: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ، فجعلها سبحانه بديلًا ماليًا مما ذهب عنهم بسبب منع المشركين من زيارة البيت الحرام.

وقد جرد القرآن شرعية فعلهم بقوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ} ، وهذا الرد من جنس قوله تعالى المتقدم: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} .

والملاحظ هنا في هذه الخصومة حول شرعية المؤسسة أن القرآن ابتدأها بالتحريض على التجريد، أي بتحريض المؤمنين على تجريد المشركين من هذا السلطان، وذلك في قوله: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} ؛ فالصراع في هذا الباب ليس علميًّا فقط كما هو الشأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت