أيها المجاهد في سبيل الله، أنت أولى الناس بحسن الخلق، وأنت أولى الناس بالصبر وقيام الليل وقراءة القرآن ومداومة الذكر. بينك وبين الشهادة لحظة.
أخي المجاهد، تذكر قيام الليل في رباطك، فقد تأملت ورود قيام الليل والحض عليه في القرآن فوجدت أغلبه -إن لم يكن كله- قد نزل في مكة قبل الهجرة.
من أوائل ما نزل من القرآن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} ، فقيام الليل أول عدة يحتاجها الداعي والمجاهد، ولا يقدر على تحمل تبعات هذا الدين إلا بقرآن يتلى في جوف الليل، ولذلك يقول بعدها: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} ، وقال معللًا هذا الطلب الإلهي بقيام الليل: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} ، فتأملات صلاة الليل في ذاتها تهون هذا الثقيل العظيم، وتهون ما يلاقيه العبد في بحار التعب والغمرات في نهاره مع الخلق. وفي سورة الإنسان -وهي مكية- يقول تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} ، وهو نفس غرز ما تقدم من المعنى، فعدة الصبر بقوله: {فَاصْبِرْ} يقارنها بسجود الليل والتسبيح فيه.
وفي سورة الإسراء -وهي مكية كذلك- قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} ، وقد جاءت بعد قوله تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ .. } ، وقوله تعالى: {وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ} ، ذلك لتعلم أي السلاح هو القادر على رد كيدهم العلمي والعملي ضدك، ثم تأمل ارتباط قيام الليل بمقامك في الجنة، لتعلم مدخلك، وما هو سببه.
وفي سورة الذاريات -وهي مكية- قال تعالى واصفًا المتقين: {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ، وهذا تفسير لقوله تعالى فيها: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} ، وهو من قوله تعالى في نفس السورة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} ، فمن أحق بهذه الخيرات من المجاهد في سبيل الله تعالى.