بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
فالقرآن يقرر بأن هناك أعظم من تكذيب الرسل والكتب، بل هناك وراء الشرك ذنب هو أغلظ منه وأشد جرمًا، ألا وهو الكذب على الله، والقول عليه بلا علم، وادعاء في الدين ما ليس منه، وهذا بيِّن في مواطن من كتاب الله تعالى:
فمن المعلوم أن العرب تقدم ما له الاعتناء، فتقديم شيء على شيء في الخطاب إنما هو لأمر ما أوجب هذا التقديم، فمثلًا عند ذكر القوة يقدم الجن على الإنس، كما في قوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} ، لأن الموطن موطن قوة وقدرة مادية، لكن في موطن العلم قدم الإنس على الجن كما في قوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ، وأما في موطن الإيحاء بالشر والإفساد للقلوب فقدم الإنس على الجن كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} ، فدل هذا أن شياطين الإنس لهم إيحاء أشد من إيحاء شياطين الجن، وهذه قاعدة مطردة في علم القول والكلام، يُنتبه إليها وتراعى عند البليغ الحاذق.
ومن تفكر في هذا علِم أن هناك أعظم من التكذيب -وهو القول على الله كذبًا-، وذلك في قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} ، فقدم سبحانه الافتراء عليه على تكذيب آياته.
وفي سورة الأعراف رتبت الآية الكريمة المعاصي ترتيبا تصاعديًّا، إذ بدأت بالأدنى ثم انتهت بالأشد، وذلك في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ؛ فجعل سبحانه القول عليه بغير علم فوق مرتبة الشرك به