بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
جاءت كلمة الفرقان في القرآن لتدل على ما يحب الله تعالى من تمييز الحق عن الباطل، وأنه من الشر اختلاطهما وعدم وضوح أمرهما في كل باب من أبواب الوجود، وأنه من أعظم الشر أن يسمى الباطل حقًّا، أو العكس، وهذا بيِّن في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} ، وحاجة الشرية إلى هذا التمايز يقع في ثلاثة معالم:
-أولاهما: تمايز الحق والباطل في الشرائع والأحكام والقيم والعقائد، ولذلك أنزل الله كتابه وسماه فرقانًا، فقال سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} ، وختم الآية بالنذير بعد ذكر الفرقان، ذلك لأن الحجة الإلهية على الخلق لا تقع إلا بتمايز الحق عن الباطل، فإن وقع الاشتباه بطلت الحجة، وببطلانها لا يكون العذاب ولا العقاب.
-ثانيهما: تمايز الحق في القلوب، وذلك بوجود النور فيها، وهذه أسمى المراتب وأعلاها، ولذلك جعلها الله عاقبة العمل بالتقوى، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} ، بل جعل هذا التقرير خاتمة لخطابه للمؤمنين كما في سياق سورة الأنفال من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} ، وهذا فوق العلم بالحق والباطل من جهة الدليل، بل هو النور الذي يقذف في القلوب لتمييز الحق عن الباطل، بل لتمييز خير الخيرين وشر الشرين، وهذه مرتبة لا يصار إليها إلا بالتقوى كما في الآية، وهي مرتبة تعني إدامة الطاعات والنوافل والصالحات، وترك المنكرات والمشتبهات، ويحتاجها المرء في الفتن والظلم واختلاف الناس، فإنه قد يتلعب بالدليل، وقد يحرف الكتاب من جهة معناه، ولكن الصالح التقي لا تشتبه لديه الأمور لوجود الفرقان -أي النور- في قلبه، وهي مرتبة ضرورية لمعرفة خواتم الأمور من بوادرها، واكتشاف النهايات قبل استفحالها، فينطق التقي المبصر بالحكمة لما يقذف الله تعالى من البصيرة في قلب صاحبها.