فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله الأمين وعلى آله الطيبين وعلى صحبه أجمعين. أما بعد؛

فمع هذا التسخير التام لهذا الوجود للإنسان، كان هناك فقط مساحة صغيرة للمحظور والممنوع، في السماء حيث بدأت مسيرة الإنسان، من أجل ابتلائه بالبقاء في النعيم أو الخروج للشقاء كما قال تعالى: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} ، وفي هذه الحياة الدنيا ليكون المقام النهائي لهذا الإنسان، إما عودة للجنة، وإما الخلود في النار، وهذا ما قاله تعالى: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، وحيث وجدت هذه المساحة الممنوعة قبل الجنة؛ فهي ليست خالصة له، وإنما يكون الخلوص بعد ذلك، ولذلك قال: {خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ، أي بلا محظور هو محط البلاء، ذلك لأن الجنة دار جزاء ونعيم تام لا محنة فيها، فالزينة والطيبات من الرزق هناك خالصة من هذا المعنى؛ أي من معنى البلاء والتحريم، فهذا هو أقوى ما يقال في هذه الآية من قوله تعالى: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ، فإن قيل: وها هو الكافر يأخذ منها في هذه الحياة الدنيا؟ فيقال له: إن هذا على جهة الغصب الشرعي، مع الموافقة القدرية، ولذلك سمي ما يؤخذ من الكفار بلا إيجاف خيل ولا ركاب بالفيء، وكان مما قيل في هذا المعنى أن هذا المال"فاءَ"؛ أي عاد لصاحبه، فكان وهو بين يدي الكافر على جهة الغصب الشرعي، ولا حق له فيه، فمن امتنع عن عبادة الله، ولم يشكره على نعمه؛ فهو مغتصب له، ولا حق له فيه، وإنما يأكله حرامًا من جهة هذا المعنى، فإذا أخذه المؤمن منه في الجهاد فيئا؛ فهو عائد إلى مستحقه الذي أدى شكره، فهو صاحبه على جهة الإذن الشرعي، ولذلك قال تعالى: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} .

كان النعيم بلا مشقة في السماء مربوطًا بمحنة عدم أكل الشجرة، والإنسان مركب على الحرص، وهو أول منازل اقتحام الشهوات، ومركب كذلك على الخوف من الفقر والموت والفناء، فكان مدخل الشيطان إليه من هذه الأبواب، وحيث بدأت المحنة بتغيير الأسماء، ذلك لأن الأسماء ليست أداة للتعبير فقط، ولا هي لنقل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت