بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد؛
ومما في خبر يوسف -عليه السلام- في قصته في القرآن الكريم، أنه عرض نفسه الكريمة للعمل على معالجة النازلة التي حدثت لهم من الجوع والمسغبة، وهذا في قوله تعالى على لسانه: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} ، ومدح الله فعله بأن جعله من قبيل المن والعطاء الإلهي بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} ، وفي هذا أمور عديدة منها:
-أنه يجوز لمن أتقن علمًا أو فنًا أن يبينه للناس لمصلحة من المصالح كمن يتقن الزراعة أو صناعة شيء معين، فيجوز له أن يقول: هذا من فني، وأنا أتقنه، ويعرض نفسه على الناس ليعملوا عنده، أو يعمل عندهم لمنفعته ومنفعتهم، وليس هذا من باب التزكية المذمومة، إذ التزكية المذمومة إنما تكون بلا موجب ولا معنى، وتكون للفخر والخيلاء والرفعة على الخلق.
ويوسف -عليه السلام- إنما عرض نفسه على الملك بعد أن ظهر لهم ما يدعو لتصديقه، وذلك لئلا يتخذ هزوًا وضحكًا، فلو قال هذه الأوصاف عن نفسه قبل أن يعلم الناس شأنه في تأويل الرؤى كما علموا صدقه في خصومة النساء له، وأنه لا يتابع هواه، فهو حافظ للعهد، صادق الكلمة، نقي الثوب، وقد دعي وهو الشاب للزنا من زوجة العزيز ولم يجب، لما صدقوه، بل إن الملك كلمه كما قال تعالى: {لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} ، فعلم حاله ومقاله، وهكذا لم يقذف يوسف نفسه لهذا الأمر حتى مهد له من أسباب الحق ما يدعو المقابل إلى متابعته.
-احتج من احتج بفعل يوسف -عليه السلام- على جواز الدخول في الوزارات في الأنظمة الطاغوتية، بحجة أن عمل يوسف هو الوزارة، والحاكم الذي عمل عنده هو من قال هو فيهم: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} ، فدلَّ هذا عندهم جواز العمل وزيرًا في أنظمة الكفر، والمخالفون لهذا القول لهم ردود حوله معروفة، والصواب في المسألة هو التالي: