بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد؛
فالمعاصي بريد الكفر كما قال علماء الإسلام، وتعني أن الرجل إن أكثر من المعاصي والكبائر فإنه يخشى عليه الوقوع في الكفر إما في حياته وإما لحظة موته، والكبائر هذه في ذاتها ليست كفرًا أكبرًا كما هو في دين الله تعالى، لكنها تكون وسيلة إلى الكفر في بعض الأحول، وهذا موجود في كتاب الله تعالى في مواطن منها:
-لما رد الله على بني إسرائيل ادعاءهم أن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة، كما في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} ، وهذا قول كثير من أصحاب المعاصي من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهم يقترفون من المعاصي والموبقات ويكثرون منها تحت رجاء المغفرة أو أن عاقبتهم الجنة بعد ذلك، ويقولون هذا القول على جهة التهوين لما يقترفون، فقال الله تعالى رادًا عليهم: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، فجعل الله من أحاطت به خطيئته حتى احتوشته إلى مصيرها -وهو الكفر- خالدًا في جهنم.
فهذا دليل أن المعاصي بريد الكفر والخروج من الملة.
-قال تعالى في سورة الروم: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} ، فكانت معاصيهم وسيئاتهم لها عاقبة الكفر، وذلك بالتكذيب بأحكام الله تعالى وأخباره، والاستهزاء بدين الله تعالى، وهذا نراه في الخلق ممن انتسب للإسلام، يبدأ بشرب الخمر ويكثر منها، ثم إذا نصح جادل فيها، ثم جعل يمدحها على وجه يرد به حكم الله تعالى، ثم يبدأ يثير الطرائف والاستهزاء بحرمتها فيقع في الكفر، وهكذا نرى في آكلي الربا إذا أقاموا عليه جعلوه من محاسن العقود، وصاروا يستهزؤون ويذمون البيع الشرعي فيكفرون.
فهذا وجه لما تقدم، ووجه آخر وهو الفتنة عند الموت؛ فإن البعض لما يصيب من المعاصي في الدنيا ويكثر منها إذا فتن عند الموت من الشيطان قَبِل الفتنة وسقط فيها وسجد للشيطان فيكفر ويخرج من الإسلام، وهذا كله ما يسميه علماؤنا بكفر المآل.