بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد؛
تعلق الفساد في نفس الفاسد له حججه النفسية، منها ما تقدم من كونه لم يخترع هذا الفساد، ولكن سار فيه على سنن الآباء السابقين، فقطع الله تعالى في هذه السورة -أي الأعراف- هذه الحجة بما تقدم ذكره، وبما قال تعالى في خواتم هذه السورة: {أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ *أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} ، وبقيت حجتهم الثانية، وهي قولهم: {وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} ، وهذه كما تقدم هي التي أورثتهم الظن السيء بما قال الله تعالى عنهم: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} في بعض وجوه النظر في تفسيرها، وهو الأقرب، وهذه الحجة هي أعظم ما يطرأ من الشر على الوجود، ذلك لأن المعصية والفاحشة تتستر باسم الدين وطاعة الرحمن، ولذلك أتى عليها القرآن محوًا وإزالةً بكل حجج الحق التي تدركها النفس من ذاتها ومن غيرها.
كان الرد الأول على هذا الادعاء قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} ، وهذا إن ربطت السورة بعضها ببعض؛ ذهبت فورًا بلا تردد إلى خاتمة آيات هذه السورة إلى قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، فهنا تفهم قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} ، ذلك لأن من كان صفاته الحسن فإنه لا يأمر بالشر ولا بالسوء؛ فإن مقتضى صفات الحسن ألا يصدر إلا الحسن من صاحبها، قولًا وفعلًا، وهذا أمر فطري، فجعله الله أول ما يرد به على الدعوة الباطلة هذه.
وأنت إن أردت علة ما سيقت له قصص الأنبياء في هذه السورة؛ رأيت فيها معالجة الإنسان وتاريخه، ومن ذلك معالجة هذه القضية، وذلك في قوله تعالى عن خبر شعيب -عليه السلام-: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، وهي إن لم تنس تذكير بما تقدم من أن أصل الوجود هو الصلاح، إذ تكرر هنا من قول شعيب -عليه السلام-: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} ، ثم ختمت الآية بقوله