بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين، وعلى صحبه أجمعين. أما بعد؛
تأتي السور - أي غافر- بعد هذا العرض لقصة الرجل الصالح إلى تقرير أمر تكرر ذكره في القرآن، وهو رفض حجة الضعفاء والتابعين بعدم متابعة الحق، وأن الضعف في أجلى صوره كما هو في شخص مؤمن آل فرعون، أمام أكبر طاغوت في تاريخ النبوة السابقة لنبينا - صلى الله عليه وسلم - لم تكن مانعًا من سلوك سبيل الهدى والحق، وإنّ أدنى ما تفعله أن تكتم إيمانها كما قال الله تعالى عن هذا العبد السابق، فتقول السورة: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} ، وهنا تقرير قرآني أن التابع والمتبوع في نفس المقام من العذاب الإلهي، وأما في مراتب العذاب فقد دلت آيات على أن المتبوع أكثر عذابًا من التابع كما قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} ، وحقيقة عدم إعذار التابع ذكرت في مواطن عدة في القرآن، فقد ذكرت في البقرة في قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} وهذه تأتي بعد قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} ، والمناسبة بينهما بينة كما ترى، وذكر هذا في سورة سبأ في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} والآيتين بعدها، وفي سورة إبراهيم في قوله تعالى: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} ، واهتمام القرآن بهذه القضية يعني قطع حجج الضعفاء في السير في ركاب الكافرين والمستكبرين بحجة الضعف، فالمرء له مندوحة في هذا وهو التخفي والسكوت وترك مواطن الكفر، والمرء إن لم يقدر على كلمة الحق يسعه أن يسكت، وكذلك فإن المرء الذي لا يقدر على الوقوف في مقام إظهار الحق يسعه التخفي، وأما ما لا يجوز البتة -وهو من الكفر أو الضلال بحسب ما يقترفه- فهو الوقوف مع المستكبرين أو الظالمين، وظنه أنه معذور لضعفه وهو يقول الباطل، أو