بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
الترف حالة نفسية واجتماعية وسياسية واقتصادية، تنشأ من خلاله طبقة شر في داخل المجتمعات، عدوها الحق، فهي تأبى الدخول فيه أو متابعته لأنها غافلة عما يكاد لها في الغيب، والقرآن يكشف سوء هذه الطبقة ويعريها، وهي شر كالمنافقين، تعمل عملها الخبيث في المجتمع، والقرآن جعلها في كل حال عدوًّا للحق، ترفضه وتأباه:
يقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} ، وسبب هذا الإعراض كما ورد على لسانهم: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} ، وهذه لغة قبيحة في العلم، لكنهم لما رأوا أنهم بأموالهم وأولادهم يستطيعون تحصيل ما يريدون في هذه الحياة الدنيا، ذهب جهلهم بهم أنهم بها يمكن تحصيل الجنان في الآخرة، أو أنهم ذهبوا إلى جهل آخر، ذلك بأنهم قالوا: إن الله لم يعطهم هذا العطاء إلا بسبب خصيصة رضيها منهم، فإن أعطاهم على هذا المعنى، فهذا المعنى جدير بأن يحصلوا فيه الجنان في الآخرة.
هاتان الآيتان جعلتا أئمة الصد عن الحق هم المترفين من البشر، وهما في سورة سبأ، حيث تحكي السورة فيه شأن البلدة التي قال الله فيها: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ} ، فكان ما قاله الله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} .
وفي هذه السورة ذكر الغنى الصالح، وذلك بعرض نموذج الملكين النبيين؛ داود وسليمان -عليهما السلام-، وما أعطاهما الله تعالى من النعيم والمنن.
وقد يعجب البعض من ذكر الضعفاء والمستكبرين في هذه السورة، في آيات هي ما أعظم ما يجب أن يذكره الناس حين يقدر عليهم الفقر والحاجة فيذهب وهلهم أن يكونوا أتباعًا للملأ الفاسد المترف، فتكون النتيجة