بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله النبي الصادق الأمين وعلى آله الطيبين وعلى أصحابه نجوم الهدى أجمعين. أما بعد؛
فقد مضت طريقة القرآن في بيان الأحكام والأقدار على معنى الابتلاء لتمحيص الإيمان من شوائبه، ولكشف حقائق الناس، ومضت طريقة الفقهاء المعاصرين في إزالة هذا البلاء والفتنة ليحصل البقاء في الدين وادعاء الإيمان والتقوى بلا تمحيص، ومن الركام الكثير الذي نجده مبثوثًا باسم الواعظين والفقهاء قلما نجد الدعوة للتمسك بالحق في الهدى والمواقف تصبيرًا للناس لئلا تضل بهم الطرق وتنحرف بهم السبل فلا يصلون إلا إلى الخراب والفساد.
عندما تحدث القرآن عن تحويل القبلة علل هذا الحكم بعلة عظيمة نطق بها بالنص وذلك في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} ، فهذا تشريع رباني يقذفه الله تعالى على وجه يحصل به البلاء؛ فقوم يتبعون الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقوم ينقلبون على أعقابهم، والناس في مناهجهم لا يريدون هذا البلاء ولا هذا التفرق، بل يدعون ليل نهار إلى جعل الجميع في سبيل واحد، وهم يعلمون حال الناس ودينهم وحرصهم على الشريعة أو ارتباطهم بالطواغيت والمفسدين في الأرض، وحين ينطق صاحب فتوى بفتوى في نازلة جعلها الله ابتلاءً لطائفة من الطوائف؛ فإنه لا ينظر إلى مراد الله تعالى من هذه النازلة، ولا إلى معنى تمحيص الله للعباد بها، بل يذهب ليقول كلام الباطل زعمًا أنه يجمع الفرقاء ويحقق إزالة المحنة والبلاء.
الفتن القدرية تتبع الحكم الشرعي، فما من ابتلاء قدري يقع إلا على وجه اختبار الناس في نازلة شرعية، إذ يرقب الله تعالى في هذا نظر الناس وقولهم ومواقفهم؛ أَنَظَروا فيها إلى مقصد الرب منها، وإلى ما يحب الله للعبد فيها، أم ينظر فيها الفقيه والقائد إلى شهوته ورغبته وهواه؟ وكلمة الشهوة هنا يدخل في معناها الخروج من البلاء بسرعة على غير طريق الشرع، وأما الذي يكيف الشرع ليخرج من البلاء القدري فقد يحصل له هذا، ولكن