فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فسورة النجم هي سورة العلم ووسائله ومضلاته، من تفكر فيها وجد معالم إرساء قواعد العلم، وما هي مضلاته وموانع حصوله، وموانع تبليغه على وجه وضوحه في النفس.

قال تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} ، والضلال عدم إصابة الحق وغيابه عن القلب والنفس، والغواية تنكبُ النفس في سلوكها عن متابعة الحق بعد معرفته، فهذه معوقات وموانع حصول إرادة الطريق الحق، تنشأ بهذين السببين: إما ألا تعرف النفس الحق ابتداءً فتضِّل، وإما أن تعرف الحق في نفسها ولكن الغواية -وهو ما ستشرحه السورة بعد ذلك- تمنعه من سلوك الطريق مع معرفتها به. فهذان مانعان من موانع اتباع سبيل الحق والهدى.

تبقى مسألة تبليغه؛ أي بعد حصول الحق في النفس علمًا وإرادة، فقال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} ، فإن المرء قد يكون عالما بالحق في نفسه لكنه لا يبينه للناس على هذا الوجه، بل يبينه على وجه مخالف بسبب الهوى، وهو اتباع شهوات النفس، والهوى أعظم موانع اتباع الحق بعد ظهوره.

ثم بينت السورة وسائل العلم الصحيحة، فقال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ، وهذا أعظم وسائل العلم الخبري والإرادي كما قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} ؛ فأما الصدق فهو في الخبر، وأما العدل فهو في العمل، وهذا إقرار جديد على ما تعرفه العرب والبشرية، لا يعرف إلا من جهة النبوة.

ثم بيَّن واسطة هذه الوسيلة، فذكر جبريل- عليه السلام- فقال سبحانه: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} ؛ فقد يكون المصدر صالحا في نفسه، ولكن الوسيلة الموصلة إليه غير أمينة كمن يأخذ الماء من مصدره، فإن حمله خلط به وأفسده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت