فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد النبي الصادق الأمين وعلى آله الطيبين وعلى صحبه أجمعين. أما بعد؛

فالكلام إبانة عن نفس المتكلم من جهتين: إبانة عن بلاغته وعلمه بهذه اللغة وقدرته على التصرف فيها، وإبانة عن قيم وحالة نفسه رقيًّا في نظرتها للحياة من أحداث وعوالم، والقرآن إعجازه يكمن في هتين القضيتي؛ ففيه التحدي لأئمة البيان -وهم العرب- أن يأتوا بمثله في بلاغته، وفيه إبانة عن نفس إله عظيم، تظهر هذه النفس الربانية التي لا تشتبه عند الناظر والباحث بنفوس البش؛ ففيها إبانة عن نفس رب عظيم خالق قادر، لا من خلال وصفه لنفسه فقط، ولكن من خلال أحكامه وأقداره، ومن خلال حديثه عن غيره أو عن نفسه، ولذلك علم العربي أن هذا كلام رب، لا يقدر أن تتكلمه نفس إنسانية في أشواقها وقوتها وضعفها وأحكامها.

وكلما ارتقى المرء في البيان كان لكلامه الحكم الفصل في معرفة النفس الناطقة بهذا البيان في قيمها ومعاليها وتربيتها، والقرآن يكشف نفوس المتحدثين حين يسوق كلماتهم، فيعرفنا درجات هذا الرقي ومستواه.

في سورة المائدة حديث طرفين عن قضية واحدة، عبَّر كل واحد منهما عن مستوى نفسه، ومطالبها وأشواقها، فعندما طلب الحواريون المائدة جاءت كلماتهم كاشفة عما يقدمون من معاني وما يؤخرون، وهكذا بعد ذلك جاءت كلمات نبي الله عيسى -عليه السلام- كاشفة عن هذا المعاني النفسية عنده:

قال الحواريون: {نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} ، فتأمل في هذا الطلب ما قدموا من تبرير له، حيث جعلوا الأكل من المائدة هو أمام كل المطالب الأخرى، ثم تأمل عبارتهم: {وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} وما فيها من المعاني التي تضر صاحبها ولا تقدمه، وهي كلمة كاشفة للكلمة المتقدمة: {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} ، فيظهر معناها على خلاف ما قال الخليل -عليه السلام-: {بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ؛ فإن هذا الاطمئنان المطلوب من الخليل -عليه السلام- غير ما طلبوه من الاطمئنان، فإن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت