بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد النبي الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تكشف سورة الأعراف مراتب المعصية في الوجود، وتبِين عن نوازع كل مرتبة، ذلك بأن هذه النوازع هي التي تدل على حقيقتها، فقد تشترك المعاصي في الصورة لكنها تختلف في الحكم لاختلاف منزع كل فاعل، هذا إن اتفقت المعاصي في الصور، ولكن ليس الأمر مطلقًا في هذا الباب، وقد جاء مع هذه المعاصي المذكورة في هذه السورة كذلك مراتب العقوبة لكل واحدة.
أول معصية ذكرت في هذه السورة هي معصية إبليس، وذلك في قوله تعالى: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} ، فهذه معصية فيها مواجهة مع ترك الأمر، وهي كذلك متعلقة بالأمر والنهي، ولا علاقة لها بما يسمى الاعتقاد البتة، فهي: {إِذْ أَمَرْتُكَ} ، وقد فسرت الآية بعد ذلك منزعها فقال سبحانه: {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا} ، فهو الكبر إذًا، وهذه معصية كفر، وإن تعلقت بالأمر، لأنها تركت الفعل كبرًا، وردت على الله تعالى أمره، بأن حولت حالة الكبر إلى تفسير عقلي قياسي، لتستر معانيه الحقيقية، ولذلك قال إبليس: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} ، وهذه حالة مطردة في تبرير حالة القلوب، وهي سمة العاصين دوما، إذ يسترون معاني نفوسهم بالخطاب العقلي، والقرآن لا يقيم شأنا لهذا الخطاب العقلي، ولا يجادله، لأنه مجرد غلالة كاذبة، بل يذهب إلى منزع النفس وسبب نشوء إرادتها، وهو ها هنا الكبر لا غير، ولذلك اهتمت السورة بهذا المنزع لتكون الإرادة البشرية، فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} .