فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 275

ولما وقعت المراجعة بين أهل الأعراف وبين الكافرين في جهنم؛ ذكّرهم أهل الأعراف بهذا المنزع من الترفع على الخلق، فقال سبحانه: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} ، وكما هو بيّن كان استكبار إبليس مبنيًا على شرف الأصل الذي ادّعاه، وأما استكبار هؤلاء فإنما هو بجمعهم وعددهم.

وفي ذكره لقوم ثمود، جاء خبر المعارضين بقوله تعالى عنهم: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ} .

فهذه صورة من صور المعصية، تبنى على الكبر لترك الأمر، وهو يدل أن الله تعالى يمتحن عباده بما معهم من نوازع الشر والجاهلية في هذه الحياة الدنيا لتنشأ في النفوس صراع الإرادات، والتي هي محط العقاب والثواب.

ثم جاء ذكر معصية آدم -عليه السلام-، وهي معصية لها تعلق بالأمر كذلك، فقد أمره الله تعالى بقوله: {وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} ، وقد كان منهما ما كان من المعصية، لكن منزع هذه المعصية هو الحرص على العاجلة من اللذائذ وغيرها، فقد أتاهما إبليس بقوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} ، ومن خلال تعظيم اسم الله ولج لهما بعد ذلك فقال سبحانه: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} .

فهذه معصية في الأمر والنهي، لكن منزعها هو الهوى والغفلة: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} ، فالهوى بحب العاجلة، والغفلة عن الأمر الإلهي بالنسيان، ولم يكن فيها من الكبر ورد الأمر شيء، بل حصل منهما التوبة والإنابة: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، وقد تقدم أن وسيلة الشيطان في إيقاع الوالدين في المعصية اثنان: خطاب الهوى، والإنسان ضعيف أمامه، وكذلك وسيلة استخدام اللغة الباطلة، حيث تحورت شجرة المعصية إلى شجرة الملك والخلد، فهذه لعبة إبليس في المصطلحات والكلمات، ويساعده في ذلك ضعف البشر في معرفة علاقة الأمر بالقدر، ذلك لأن الله لا ينهى عن شيء وللإنسان فيه منفعته، إلا لمعاني العقوبة، ولو راجعت القرآن كله لم تجد في الخطاب الإلهي لآدم وزوجه أي تبرير لترك الشجرة إلا بما يترتب على المعصية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت