بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. أما بعد؛
فالإحساس والشعور فطريان في الخلق كالشم والذوق وإدراك الحرارة والبرودة، والعلم أمر زائد عليهما، ويأتي بالتعلم كما قال الحبيب المصطفى -عليه الصلاة والسلام-، فإدراك الفساد فطري في الخلق يعلم بالشعور وإدراك الهدى من الضلال يحتاج إلى إعمال عقل ونظر، فجاء قوله تعالى في البقرة بعد ذكر تبلد إحساس المنافقين بالفساد بعدم الشعور كما هو في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} ، ولما جاء ذكر الإيمان وعدم اتباعه منهم وصفوا بعدم العلم كما قال سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} .
وتقدم ذكر الأدنى في عدم بلوغه وأخّر الأعلى؛ أي تقدم ذكر عدم الشعور وأخّر عدم العلم زيادة تبكيتٍ لهم.
وفي سورة يونس جاء قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} .
ذلك لأن الآيات الكونية الأولى مبذولة للناس في إدراك مقاصدها، ومنه ما قاله هنا؛ وهو معرفة السنين والحساب، فمقاصدها للعالمين بلا تخصيص، يأخذها المؤمن والكافر، فجاءت الفاصلة لقوم يعلمون، وأما اختلاف الليل والنهار فهي علامات لعمل الصالحات من صلاة وصيام فهي للمتقين، ومثلها الآيات في السموات والأرض فقد أقيمت للذكرى وعمل الإيمان، فهي لهم من هذا الباب، وهم فيها أولى من غيرهم، لا يحصل مقاصدها في هذا الباب إلا لهم فجاء قوله تعالى: {لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} .