فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ومن والاه، أما بعد؛

ففي سورة يوسف يخبرنا الله تعالى أن رفيقي يوسف -عليه السلام- في السجن تقدما بسؤاله عن تفسير رؤياهما، وتقدما بذكر فضله وخلقه، وذلك كما قال تعالى عنها: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} ، ونكتشف بعدها أن يوسف -عليه السلام- أخّر دعوتهما للتوحيد حتى استقر في نفسيهما عظم خُلقه الذي تعامل به معهما فقالا هذا الحكم: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} ، واكتشفنا بعد ذلك أن من الحديث الجاري بينهم قبل ذلك كان يدور بعضه عن الطعام: {لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} ، وذلك لإثارتهم للسؤال عن مصدر ما يقوله من علم، فلما استقر في نفسيهما خلق هذا الرجل وعظمة صفاته، ولما علما أن عنده علمًا زائدًا عما يعلمه أهل بلدتهم أقبلا على سؤاله، وهنا شرع يوسف النبي الكريم -عليه السلام- بدعوتهم للتوحيد وبيان ما هو، وبيان ما عليه أهلهم من الشرك بطريقة حكيمة: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} وبصراحة لا تقبل اللبس {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} .

فعلم من هذا أن طريق المهتدين في الدعوة إلى الحق لا تكون إلا بواسطة الخُلق العظيم، وبوجود مادة القبول في الناس لهذا الداعي، وحين يأتي الداعي بأمر مغاير لما عليه الجموع فإنه لا بد من مقدمة بها يقبل الجموع اختصاص هذا الداعي لهذا العلم.

تحدث معهم يوسف -عليه السلام- عن الطعام ليكون مدخلًا للدين، وعاملهم بأحسن الأخلاق ليقبلوا منه، ثم يأتي جاهل سيء الأخلاق ليزعم أنه يعلم ما لم يعلمه الناس، ويريد من العالمين أن يمشوا وراء ما يقوله.

رأيت بعضهم يتحدث عن مسائل هي من التوحيد الذي يجهله البعض فقلت لنفسي: والله لو حدثني هذا الرجل بهذا الذي يقوله -وأنا أقوله- لما قبلت منه! وذلك لجهله بما يحدث به، ولسوء أخلاقه وقبح كلامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت