بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
في قوله تعالى في سورة سبأ: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .
هنا جاء الزمخشري بما يبهر، فقال كلامًا جعل ابن المنير الفقيه المالكي يطرب ويهتز عطفيه لما ذاقه من بديع الكلام في (الكشاف) .
لِنَرَ ماذا يقول الفحل الذي لا يجدع أنفه إلا حين يكون معتزليًا فإنه يكبو كما يكبو البشر.
يقول الزمخشري:"وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك، وفي درجه -أي ذكره- بعد تقدمة ما قدم من التقرير البليغ دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على الهدى ومن هو في الضلال المبين، ولكن التعريض والتورية أنضل بالمجادل إلى الغرض وأهجم به على الغلبة مع قلة شغب الخصم وفل شوكته بالهوينا، ونحوه قول الرجل لصاحبه: علم الله الصادق مني ومنك، وإن أحدنا لكاذب، ومنه بيت حسان:"
أتَهْجُوهُ، وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ ... فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُمَا الفِداءُ
فإن قلت: كيف خولف بين حرفي الجر الداخلين على الحق والضلال؟ -لأن الله قال: {لَعَلَى هُدًى} ، فأتى بحرف"على"، وقال: {لَفِي ضَلَالٍ} ، فأتى بحرف:"في"- قلت -أي الزمخشري-: لأن صاحب الحق مستعل على فرس جواده يركضه حيث يشاء، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يدري أين يتوجه". انتهى كلامه"
تأمل الآن كلام الذواقة المنصف ابن المنير ماذا يقول عن كلام خصمه:
"وهذا تفسير مهذب، وافتتان مستعذب رددته على سمعي، فزاد رونقًا بالترديد، واستعاده الخاطر كأني بطيء الفهم حين يفيد".