بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله الطيبين وعلى صحبه أجمعين، أما بعد؛
ومما يفهم من قصة الصديق يوسف الكريم -عليه السلام- هو عقل الملك الذي لم يأنف أن يرسل رسوله إلى سجين ليعلم منه تأويل الرؤيا، ولم يأنف أن يستدعيه ليسمع منه وهو السجين، ثم لما رفض يوسف الصديق -عليه السلام- أن يخرج من السجن حتى يثبت لهم براءته بشهادة النسوة لم يتكبر الملك ولا غضب، بل ذهب لهذا السبيل لبيان الحق ودعا النسوة وسألهن، ثم لما نفذ مطلب النبي يوسف -عليه السلام- أرسل له مرة أخرى ودعاه إليه وكلمه، ورتب على الكلام معه معرفة عقله فوق ما علمه من علمه وخلقه وأمانته ونزاهة جانبه، فهذا صنيع من الملك عظيم، وبه يستحق الحمد والثناء وكل ذلك لمصلحة أمته وقومه وشعبه، ثم إن توكيل يوسف -عليه السلام- خزائن أرض مصر لهو دليل آخر على عقل هذا الملك، وذلك بأن وزع الواجبات على أهل المقدرة ليقدر على حملها وأدائها، وأظهر هؤلاء القادرين للناس لينسب الفضل لهم لا له، فهذه هي مقومات البقاء للدول والأمم والحضارات، وجنس هذا الملك العاقل العادل هو جنس ملكة سبأ التي ذكرها الله تعالى في سورة النمل، فمن تفكر في حسن تدبيرها ومشاورتها لعقلاء قومها، ثم تفكر في اختياراتها علم أنها تستحق المدح والثناء، وليس عجيبًا بعد ذلك أن يقول الله تعالى على لسانها: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
خذ الحكمة حتى لو كانت في غير مكانها المعتاد، فالسجن مأوى المجرمين في الدول العادلة ومأوى الصالحين في الدول الظالمة، ومع ذلك فقد ذهب إليها الملك لأنه من أهل الحكمة والعقل.