بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
{قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} :
لا يستطيع أحد أراد أن يقول قولًا شارحا فيه هذه الكلمة الفرعونية إلا وهو معرج على قوله: هذا منطق وحديث وقواعد الطغاة.
{مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى} ، يعني إلغاء الإنسان الآخر، ويعني سقوط منطق البينات والدلائل، ذلك لأنه"أنا"هذه المنتصبة صنمًا في داخل هذا الطاغية، هي التي ترى، وهي التي تنطق، فالحق كل الحق لها دون غيرها، والآخرون مجرد رعاع بهائمي يسير سير قطيع الدواب وراء رحل دابة لا تزيد عنه في شيء، وهذه الكلمة معلنة هنا من فرعون، يصرخ بها بلا خجل ولا وحياء، لكنها متخفية حين يكون الإنسان بلا قوة، وهي مستترة في نفوس أهل الغواية، لا يحبون أحدًا معهم إلا من يتقن هذا السير -أي سير قطيع البهائم-، يحب أن يؤجر عقله الذي أكرم به، وبصره الذي يهتدي به، فيتساقطون وراء هؤلاء وهم في حالة لذة بهائمية تتيه وهي تشعر بالزهو أنها من جماعة القطيع لهذا الطاغية.
لا يستطيع فرعون هذا أن يقول كلمته لو كان هناك بشر أمامه تحترم إنسانيتها، وتأبى الخضوع إلا لمنطق البينات والدلائل، ولا تسير إلا مع من يخاطب خطاب العقل والرشد، لكن حين تكون الغواية والضلال، ويكون الشرك أو البدعة ترى هناك سوائم البشر والجهلة المصفقين الهاتفين بحياة الطاغية، وهم يلجون باسمه، يموتون من أجله، وهم في الحرص عليه أشد من حرصه على نفسه.
هذه الكلمة الفرعونية لا تظهر قبحه فقط، لكنه تظهر نوع الناس الذين يوجه إليهم الخطاب، فكيف لرجل يقف بينهم ليقول:"إنه الرأي"، فلا دلائل، ولا عقل، وقد أرحتكم من التفكير والنظر، فأنا الذي أرى فقط، وليس عليكم إلا السير ورائي، وهم سكوت لا معارضة لقوله عندهم، بل تظهر هذه الحالات في التاريخ وفي