فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛

فإن ملامح الشخصية الوارثة للجنان يعرضها القرآن بصورة التواضع والبراءة من الكبر والغرور، بل هي شخصية تدخلها عيون المستكبرين والطغاة والكفرة عمومًا، وكأن هذه الحياة ليست لأهل الدين والإيمان وورثة الجنان، بل لهم الآخرة، ومن تأمل العرض القرآني لملامحهم يجد هذا جليًّا وذلك في مواطن، منها:

-في سورة الأعراف، وخلال الخبر القرآني عن أهل الأعراف وحوارهم مع المؤمنين والكافرين، يعرض أهل الأعراف صورة المقابلة بين الطائفتين كما كانا في الدنيا، وذلك في قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} ، فهم لهم جمع -أي قوة وتمالؤ-، وفيهم استكبار، وذلك من مظاهره الرفعة على الخلق، ولذلك كانوا: أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ فنحن أمام عرض الصورة لطائفة مستكبرة، وعندها سبب الكبر الضار، وهو القوة والجمع، ويقابلهم طائفة تدخل فيها العين، فتحتقرهم نفوس الجهل والفساد.

-في سورة المؤمنون، عرض آخر ليوم القيامة، وحوار عن واقع هاتين الفرقتين في الدنيا؛ وذلك بعد قوله تعالى عن طائفة الكبر والشر والغرور: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} ، فيأتي الرد الرباني عليهم تذكيرًا لهم بما كان الحال بين الفرقتين في الدنيا: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ، إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} ، فكان هذا الحال عندهم سببًا للاحتقار والتصغير: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} ، وهي صورة تبين نفسية الضالين، وتواضع المؤمنين.

-في سورة المطففين، يأتي العرض نفسه، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ، وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ} ، وهي تبين نفس الموقف من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت