فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين، محمد وعلى آله الطيبين، وعلى صحبه أجمعين. أما بعد؛

فالجاهلية لها أساليبها في تثبيت نفسها، لتأصيل مؤسساتها وشخوصها وتاريخها، وهي تصارع الحق وأهله في هذه المجالات إبعادًا عن أصل المفاصلة والقتال والمدافعة، إذ الأصل هو الصراع بين الحق والباطل، والخصومة في الله تعالى، ولكن هذا الأمر لا يعود مجردًا في الوجود، بل يصبح للحق رجال ومؤسسات وجماعات، كما يصبح للباطل هذا كذلك، ومن مهمات كل مؤسسة إسباغ الشرعية على نفسها من خلال قيم المجتمع الذي تحياه، والعرب لهم قيمهم التي يستندون إليها في إسباغ هذه الشرعية وأهمها كما يطرحها القرآن:

-النسبة للآباء ومنهم الأنبياء، باعتبار أرض الجزيرة هي أرض النبوة كما يعلم من تاريخها، والعرب تفتخر بنسبتها لإبراهيم -عليه السلام-، ولذلك جرد القرآن منهم هذه الشرعية، وأعادها لمستحقيها، فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} ، فأسقط عنهم هذا الدثار المزعوم الذي جعلوه لأنفسهم في فرض مؤسساتهم وسلطانهم على خير بقاع الأرض؛ مكة، وهم ولا شك أن فيهم نسب التاريخ من جهة الأبوة والبنوة، ولكن ليس بهذا النسب تكون الشرعية، فقوم القرآن موازين النسبة، وجعلها ميزان الإيمان، وأدخل في هذا الولاء أهله دون غيرهم.

ولما جاء القرآن إلى أدلتهم في تبرير معاصيهم ذكر حجتهم أن سندهم موصول للآباء ولميراث النبوة، فقال سبحانه: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} ، فجردهم من نسبة الأمر لإرث النبوة فقال سبحانه: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، ولم يلتفت لنسبتها إلى مطلق الآباء، لأن هذا لا قيمة له في عالم القيم والمثل والعبادات والعقائد، بخلاف ما تقدم لما انتسبوا لإبراهيم -عليه السلام-.

ولما أراد أهل الكتاب هذا الفعل فقالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} ، وهي في جوهرها تبرير للسلطان وإعطاؤه شرعية التقدم والبروز، رد القرآن عليهم بقوله: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت