بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد؛
فسورة غافر كما سميتها في مبحث آخر سورة الفرادة، حيث يخرج العظماء بعيدًا عن نظام الجماعة الضالة كما خرج مؤمن آل فرعون من مجتمعه وانتظم في سلك الحق والهدى، وصاحب هذه الفرادة يملك عقلًا سديدًا، وإرادة صلبة، والتزامًا بالحق الذي يعتقده، وله القدرة على بيان ما عنده من الحق للمخالف، بل إلزامه به، لا بقوة الدليل فقط؛ لكن بقوة التزامه بالحق الذي يؤمن به، إذ كلما كان المرء ملتزمًا بما يؤمن به؛ كلما كان قويًا في حجته أمام خصومه ومخالفيه، والعكس كذلك صحيح.
ولذلك جاءت هذه الفرادة في مؤمن آل فرعون، ثم رأينا لفظًا تكرر في هذه السورة وهو لفظ المجادلة، حيث ورد خمس مرات هي:
-وذلك في مطلعها في قوله تعالى {مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} .
- {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} .
- {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} .
- {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
- {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ}
ومن تأمل في تصرفات أحوال المجادلين بالباطل في هذه السورة يرى عجبًا وتنوعًا في الأحوال والمصائر وطرق الوقاية، وإليك بعضها مما يدلك على غيرها وأعظم منها: