بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
فقد استوعبت سورة الإسراء أكثر مهمات القرآن الكريم، فقد ذكر فيها لفظ القرآن إحدى عشر مرة ولم يذكر في سورة غيرها هذا العدد، ويليها في العدد سورة النمل، ومن تأمل سياق ما ذكر فيه هذا الاسم الجليل في سورة الإسراء وجد أمرًا عظيمًا، وإليك بعضه:
-فأول ما ذكر هذا الاسم اقترن بالهداية في قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ، وهذا هو أعظم مهمات القرآن الكريم، فما أنزل كلام ربنا إلا لهداية الخلق، بل لما هو أقوم لحياتهم الدنيوية والأخروية، وذكر هذا الأمر بعد نبوءة انتهاء علو اليهود وفسادهم الثاني إشارة إلى أن القرآن هو الهادي لإزالة هذا العلو، فهو علو بعد القرآن، بل إني أعتقد أن العلو الأول هو هذا الذي نعيشه اليوم، والعلو الثاني هو علوهم مع الدجال، فافتتح ذكر القرآن بأعظم مهمة له، وأجل مقاصده وهو الهداية لما هو أقوم في كل أمر من أمور الوجود.
-وفي الذكر الثاني للقرآن جاء قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا} فبعد الهداية يكون التذكير، ذلك لأن الهداية إنشاء، والتذكير تعقيب، والتعقيب يكون بعد الإنشاء، والتصريف يكون بما ذكر من قضاياه، كذكر الآخرة والجنة والنار، وذكر الآيات الدالة على صدقه، كما فيه من تذكير الأمم بما أصاب أسلافها من عاقبة الإعراض والكفر، وهكذا يصرف ربنا من قضايا متعددة ليذكر الناسي وليبصر المتردد ويتقوى السالك.
-وأما من لم يتذكر ولم يسمع هدايته فإنما هذا لما في هذا المعرض من موانع، فجاء قوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} ، فذكر في هذا أمران، أنه لا يحصل الذكرى بهذا الكتاب إلا لمن آمن بالدار الآخرة، وهذا كما في قوله في الأنعام: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} ، وأما الثاني فهو ما نقدم، وهو أن عدم الذكرى إنما يكون بسبب الإعراض.