بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
فمن قواعد فهم القرآن النظر إلى المقابلة بين المذكور والمذكور، أو خلو المذكور من مقابلة له، فإن وجود مقابل للمذكور يقتضي ذكر سياق يخالف المذكور الآخر، ذلك للتنبيه على وجود الفرق بينهما، وهذا تجده في سورة الواقعة مثلًا، فحين ذكر أمر الزرع وقدرة الله تعالى على تدميره وإهلاكه قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} ، فانظر إلى وجود لام التأكيد هاهنا، وانظر إلى غيابها فيما يأتي من قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} مع أن القدرة واحدة فيهما، لكن لما كان أمر تدمير الزرع كثيرًا ما يقع، بخلاف تغيير الماء النازل من السماء فإن نزوله مالحًا أجاجًا غير معهود، جاء في الأولى ذكر اللام المؤكدة، وذلك للتنبيه على خلاف الحال بينهما.
وتأمل ما وقع من مقابلة بين المؤمنين والمنافقين في سورة التوبة، إذ قال ربنا عن المنافقين: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} ، ولما ذكر المقابل لهم قال بعدها: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ} ، وذلك من أجل مدح علاقة المؤمنين دون الكافرين، فجاء ذكر الولاء وهو أعلى درجات العلاقة بين الناس، ولم يذكر هذا للمنافقين هنا، لأن الأمر أمر مقابلة بين طائفتين، ومقصود السياق هو مدح المؤمنين وبيان قوة ما هم عليه من الخير والولاء واللحمة الإيمانية، ولذلك ختمت الآية التي فيها ذكر هذه العلاقة الإيمانية بفاصلة قرآنية وقف عندها البعض متسائلًا، وهي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ، مع أن ما قبلها من الكلام الإلهي هو قوله تعالى: {أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} ، والذي يخطر على البال ابتداءً أن يختم بقوله أن الله غفور رحيم، وذلك للمعهود، ولكن لم ينتبه هؤلاء إلى صدر الآية وهو الحديث عن لحمة الولاء والنصرة، وهي التي يلائمها عزة الله تعالى وحكمته في هذا الباب، فإن مقصود الولاء تحصيل النصر والعزة والغلبة، وهو ما يحققه لهم العزيز