بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
خلال مسيرة التداول بين الحق والباطل، فيوم نساء ويوم نسر، وكما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، فما أعطاه الله للمؤمنين هو فتح، وما جرى للكافرين هو نصيبهم في إتيانهم سنن القدر التي بها تتحقق النتائج لها، يكون الاتجاه العام هو الحاكم لا مجرد الأعمال الواحدة وفرادتها، أو كما قالوا: إن المرء قد يخسر معركة، ولكنه قد يربح الحرب؛ فالعبرة بمجموع الخطوط المكونة للاتجاه، ولذلك لم تكن المصيبة في أحد بمغيرة سهم الاتجاه إلى صعود هذا التكوين الإيماني العظيم في المدينة، ولم يكن هذا الدفق الكافر الكبير في الخندق شيئا في تبديل حركة التاريخ، بل كانت المصيبة في أحد إعادة لشحن النفوس وتجلية المفاهيم وتنظيف الآلة الفاعلة بالحق، ولم تكن الخندق إلا محطة تحوُّل لمن له القدرة على ضبط وقت وأسلوب المعركة، وكما قال - صلى الله عليه وسلم - بعد الأحزاب: (الآن نغزوهم ولا يغزونا) .
بهذا الأمر نستطيع فهم قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} وقد يفتح لنا هذا معنى صلح الحديبية.
كان الخط البياني يشير في كل موقعة إلى صعود التكوين الإيماني الجديد، وبالتالي لزومًا هبوط التكوين الكافر المقابل له، وفي لحظة من لحظات الزمن كان هناك التقاء بين الصاعد والهابط، فاستوت القوتان للحظة، وبها تم الاعتراف من قبل طاغوت العصر بهذا التكوين الجديد كقوة لها الحق في إنشاء حلف وجودي عالمي له قوة المقابلة لأحلاف الجاهلية القديمة، إذ كان قبل هذا مجرد مقاوم لمحاولات الإفناء التي تمارسها أحلاف الجاهلية ضده، ولكنه الآن صار قوة لها ثقلها المقابل، والذي يستطيع أن يسمح لأطراف وجودية حاكمة أن تتفلت من سلطان أحلاف الجاهلية، فنشأ ما يمكن أن يسمى بالأمم الجديدة التي تنافس الأمم المتحدة على الكفر والجريمة والظلم والفساد.