فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛

حديث القرآن عن المترفين في أغلب الصور المعروضة باعتبارهم طائفة داخل المجتمع، واتخاذهم موقف العداء للحق، وكأن الترف المادي حالة مؤثرة على اختيار الناس للمفاهيم والقيم، عماد اختياراتهم هذه هو محبة الدنيا وكراهية الموت، وهذا الدين عماده اليقين على الدار الآخرة، فليس فيه من قيمة تحقق الهداية إلا بارتباطها بهذا الإيمان العظيم.

في سورة التوبة يطرح الترف باعتباره حالة مجتمع، وذلك في قوله تعالى: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ، وحالة الاستمتاع هذه لا تكون إلا بما تقدم من ذكر القوة وكثرة المال والولد.

وسورة براءة هذه ناقشت قضية النفاق، وتحدثت عن غزوة تبوك وحال المجتمع النبوي بكل أصنافه مع هذه الغزوة العظيمة، وذكر الترف فيها كحالة مجتمع لأن قضية الجهاد الذي حصلت فيه غزوة تبوك تتعلق بالمجتمع كله، فهذا جهاد طلب، والجهاد في مثل هذه الحالة هو تحرك مجتمع كامل، لا فئة منه فقط، وحين يكون الترف في المجتمع يعني بطلان حركة هذا المجتمع خارج أرضه للغزو والجهاد، فكما أن الترف حالة فرد أو طبقة، تمتنع عن الحق واتباعه؛ فكذلك حين يتحول المجتمع إلى كيان مترف فإنه حينئذ يمتنع هذا المجتمع عن أداء واجبه في نشر الحق وإزهاق روح الجاهلية.

الآية تقرر أن الاستمتاع -باعتباره حالة نفس وحالة غلبة على التصرف- يمنع من التصرف المهتدي، وينشر حالة موازية لها وهي: {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} ، وهذا خوض مطلق، يمكن أن تطلق فيه النفس لكل خوض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت