فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

الوعي على التاريخ صفة جامعة للمهتدين بهذا الدين هداية علم وفقه ونظر؛ ذلك لأن التاريخ وجريان أيامه وتقلب أحوال الناس فيه هو في باطنه نظر إلى يد الله التي تحركه وتديره، وهي يد حكيمة تجري ما فيه وفق العدل والحكمة والإحسان، ومؤمن آل فرعون من هذا الصنف العظيم من البشر، يتحدث مع قومه عن تاريخ البشر مع النبوة، وهو في حديثه هذا يبلغ بهم إلى الآخرة، لأنها هي النقطة النهائية لهذا التاريخ وجريانه على هذه الأرض، فتأمل هذا الجرد السريع لمسيرة النبوة في تاريخ البشر في حديث هذا المهتدي:

- {وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} ؛ فهو دأب سائر لا يتخلف، وذلك تفصيلًا لما تقدم من كلامه: {وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} ، وهو يقول هذا ردًّا على كلمة فرعون الكاذبة: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} ، ذلك ليقول لهم: إن كلمة الرشاد ليست وجودًا لفظيًّا يتلعب بها فرعون على لسانه، بل هي كلمة لا بد لها من حقائق، فهي مع حقائق التاريخ لا تمت لها بصلة، فرشاد فرعون إنما هو الدمار والهلاك كما حصل للعصاة من أسلافه كقوم نوح وعاد وثمود، فأي رشد هذا تكون عاقبته الهلاك؟!

-قوله: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} ، ويقول أهل العلم بالتفسير أن هداية أهل مصر بدعوة يوسف -عليه السلام- وقد صار له الملك عليهم -بما ذكر من سورة يوسف- كانت على دخن؛ ذلك لأن اتباع الناس دين الملوك تكون فيه شبهة تحصيل العاجلة، وهكذا كان أمر أهل مصر مع دعوة يوسف -عليه السلام-، ولذلك قال الرجل الصالح هنا: {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ} ، وهذا الشك بقي لابسًا لحالهم حتى مات يوسف -عليه السلام-، فشعروا بالراحة لذلك،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت