بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
فمن المعلوم أن أفضل طريقة لتفسير القرآن أن تفسره بالقرآن، ومن صور هذا الفعل ألا تفسر اللفظ خارج معناه القرآني، وهذا لا يقع منك إلا بجمع الآيات في اللفظ الواحد والمعنى الواحد في صعيد واحد لتعرف مراد الله منها، ومن هذه الصور:
-في سورة النحل تعجب من ذكر الفاصلة القرآنية للآية في قوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} ، فتتساءل ما مناسبة هذه الفاصلة: {لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} ، مع نعم الله تعالى في قوله: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} ، فإنك تجد الجواب في سورة إبراهيم، وهي متقدمة في ترتيب المصحف على سورة النحل، وفيها قوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} ، فكان قوله تعالى عن الإنسان: {لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} ، هو واسطة الحكم الموصل لقوله: {لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} ، فهذا وجه من وجوه التفسير، ويمكن أن تحمل السورتين على حالين مختلفين، وهذه طريقة ابن عباس -رضي الله عنه- في أجوبته على أسئلة نافع بن الازرق، وهذه لها شرح آخر.
-ومن ذلك تعجبك لذكر اليهود والنصارى والصابئين في سورة البقرة بعد قوله تعالى عن اليهود: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} ، فتجد جواب هذا التعجب في سورة آل عمران في قوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} ، وقد جاءت بعد قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} ، فعلمنا أن المراد نفي تساوي الناس فيما تقدم ذكره ممن ذموا، وأن فيهم من يستحق المدح، فلذلك ذكر في ختام قوله: {وَالَّذِينَ هَادُوا} التي في سورة البقرة قوله تعالى: فَلَهُمْ