فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله سيد الأولين والآخرين من خلق الله تعالى أجمعين، وعلى آله الطيبين وعلى صحبه الغر الميامين وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد؛

فتعليل الأحكام فقه قرآني، ففوق أنها من عند الله تعالى فهي الحق، إلا أنّ النظر إليها من الجوانب الحياتية، والنتائج القدرية ملمح قرآني مهم يجب الاعتناء به والنظر إليه من قبل الفقيه والحكيم، وفي سورة البقرة بيان عظيم من رب عظيم في النظر إلى تعليل حكم اتخاذ الشهود في العقود وكتابة الشهادة، والسياق حديث عن العقود المالية، مع أن آيات أخرى حديث عن الشهود في الطلاق -كما في سورة الطلاق-، والعقود في السفر -كما في سورة المائدة-، والشهود في الحدود وغيرها، ولكن هاهنا بيان عظيم لقضية كتابة الشهادة في العقود المالية، فانظر إلى هذا البيان القرآني العظيم:

يقول تعالى: {وَلاَ تَسْأَمُوْا أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا} ، فقد بدأ الله تعالى في تعليل هذا الحكم ببيان أمره عنده -جل في علاه-، وهذا هو أعظم ما ينبغي الاعتناء به، فالأشياء والأعمال في ديننا لا تكتسب الحسن إلا لأنها عند الله حسنة، ولا تكتسب القبح إلا لأنها عند الله قبيحة، ولذلك بدأ ربنا هذا التعليل بقوله: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ} ، والفقيه الذي يكشف عن الأحكام لا يقدر عليها إلا إذا كان عالما بنفس الله تعالى فيما تحب وتكره، وهذا لا يمكن اكتسابه إلا بأمرين:

-أولاهما: كثرة النظر في الكتاب والسنة ليفقه نفس الرب وما هي، وما تحب وتكره؛ فإن المرء لا يعلم حقيقة حب الآخر أو كرهه حتى يصحبه طويلًا في علمه وأحكامه واختياراته، والفقيه لا يجوز له الاجتهاد إلا إذا كان عالِمًا بنفس الرب وما شرعت من الحق وما نهت عن باطل، وذلك من خلال مصاحبة الكتاب وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، مع التفكر فيه والبحث عن أسراره ودرره وتقريراته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت