-ثانيهما: الأنس برب العالمين والقرب منه، فالتقرب منه ليكشف له عن نفسه فيما يحب ويكره؛ ولذلك لا يصل للحق فيما اشتبه على الناس إلا أهل التقوى والعبادة وأهل القرب منه، فكلما تقربوا إليه تقرب إليهم أكثر، وبالقرب هذا يحصل المعرفة والعلم، وبهذا يكشف لهم -جل في علاه- عن معاني نفسه فيما يحب ويكره.
والقسط هو العدل، والعدل هو الحق، ولكن ما العدل في هذا الأمر -وهو الشهادة-!؟
لقد خلق الله تعالى الوجود، وجعل في هذا الوجود التنوع والتعدد، فكل ما خلقه الله تعالى جعل له من الشرائع ما يوافقه، كما قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} ، والأمر هو موافقة الخلق فيما يحقق العدل في تنوعهم وتعددهم، ولذلك كان الأمر قسطًا لأنه يقيم هذا التعدد على وفق ما خلقه الله تعالى في الوجود، فبهذا كان كتابة الشهادة موافقة لما خلق الله تعالى من صلاح العقود في أموالهم وحياتهم.
ثم جاء الله تعالى بعلة أخرى بعد كون كتابة الشهادة هي الحق في نفس الله تعالى وفي نفسها في كونها قسطًا توافق الخلق الإلهي، ألا وهو النظر إليها في تقويم ما وضعت له من الأمر، فقال تعالى: {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} ، فها هنا تكلم الله تعالى عنها في كونها صالحة نافعة لما وضعت له من مقصد، فالشهادة تحتاج لغيرها لتقوم قيامًا صحيحًا في الإثبات وفض النزاع وتحقيق العدل والحق، ولذلك نظر إلى الكتابة هذا النظر، فقال تعالى: {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} ، فهي ضرورة لتحقيق قيام ما وضعت له.
ثم جاء القرآن إلى صلاحيتها في كونها مانعًا لشر، فما تقدم هو النظر إلى الواجب من واقعها وفعلها، وهاهنا النظر إلى كونها مانعًا للفساد، فقال تعالى: {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا} ، فلم يكتف القرآن بذكر حسناتها الفاعلة للخير، بل جاء إلى ذكر منعها لعواقب الشر، فإن الوجود لا يستقيم فقط بالأمر بالمعروف، بل لا بد من النهي عن المنكر، فقال تعالى: {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا} ؛ فكتابة الشهادة يمنع من الشك والريبة، وهو سبب الخصومات، فمنع حصول أسباب الخصومات بهذا الفعل الشرعي العظيم.
فها أنت ترى كيف علل الله تعالى حكمه، وهو سبحانه وتعالى الحكيم، وكونه -جل في علاه- هو الرب العظيم قادر وله الحق سبحانه أن يقول ما يقول فيطيعه الناس دون معارضة ولا فهم لما يأمر، لأنه -جل في