بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
في قوله تعالى في سورة البقرة: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} ، أتى أبو القاسم جار الله الزمخشري إلى سبب ذكر الأصابع، وأنها الموضوعة في الأذن لمنع السمع، مع أن الموضوع حقيقة هي الأنامل، فقال:"فإن قلت: رأس الأصبع هو الذي يجعل في الأذن، فهلا قيل أناملهم"!؟
شرح السبب عنده بقوله:"هذا من الاتساعات في اللغة التي لا يكاد الحاصر يحصرها .. ففي ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل"، ومراده أن القرآن جاء بالأصابع تعبيرًا عن شدة وضعهم لرؤوسها في آذانهم منعًا من أن يلج إليها صوت الحق ونداء الداعي.
ثم فرع على هذا التخريج كلامًا، وهو قوله:"فالأصبع التي تسد بها الأذن أصبع خاصة، فلم ذكر الاسم العام دون الخاص!؟"
أي لِمَ لَمْ يذكر اسم الأصبع المقصود بالوضع وهو السبابة على ما جرت العادة؟
أجاب على هذا بقوله:"لأن السبابة من السب -ذلك لأن الساب لغيره يشير بها حين يسب-، فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن"، واستدل بأن الناس استبشعوها وأخذوا يكنون عنها بالمسبحة -لاستخدامها بالتسبيح-، والسباحة -بالتشديد-، والمهللة -إذ بها يشير من أراد ذكر التوحيد-، والدعاءة -لأنهم يرفعونها في الدعاء في مواطن كالجمعة وموطن حضور الصف للقتال، وحين الحمد في الصلاة بعد القيام من الركوع-.
وهذا الجواب فرع عليه سؤالًا بقوله:"فهلا ذكر بعض هذه الكنايات"؟
فأجاب:"هي ألفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس في ذلك العهد".
هذا كله لم يعجب ابن المنير الإسكندراني المالكي، وقال:"لا ورود لهذين السؤالين، أما الأول: فلأنه غير لازم أن يسدوا في تلك الحالة بالسبابة، ولا بد، لأنها حالة حيرة ودهش، فذكر مطلق الأصابع أدل على الدهش والحيرة، أو فلعلهم يوثرون في هذا الحال سد آذانهم بالوسطى لأنه أصم للأذن وأحجب للصوت، فلم يلزم اقتصارهم على السبابة".