وقال:"وأما السؤال الثاني ففرع عن الأول، وقد ظهر بطلانه أيضًا ففيه ركاكة، إذ الغرض تشبيه حال المنافقين بحال أمثالهم من ذوي الحيرة، فكيف يليق أن يكنى عن أصابعهم بالمسبحات، ولعل ألسنتهم ما سبحت لله قط".
وختم بقوله:"ثم إذا كان الغرض من التمثيل تصوير المعاني في الأذهان تصور المحسوسات فذلك خليق بذكر الصرائح، واجتناب الكنايات والرموز"اه.
وهذا الذي جرى بينهما يحتاج إسالة حبر كثير، ولكن سينتهي الأمر إلى إقرار الوجهتين بغض النظر عن الردود والحجج؛ فإن ابن المنير مال إلا أن السبب لوضع الأصابع هو الدهش والحيرة، ومال الزمخشري إلى أن السبب هو مبالغة في الإعراض، ومن تأمل الحال وجد أن قول الزمخشري أقرب في حقيقة الموصوف، وقول ابن المنير أقرب إلى حقيقة الوصف، فالصد والإعراض مراد المنافق، والحيرة يصاب بها مَنْ فاجأته الصواعق؛ فلماذا نلزم أحدهما بما صرف إليه نظره!؟
ذلك بأن المنافق راد لما علم، ولا حيرة ولا دهش، وأما المصاب بالصواعق فجأة فله هذا الوصف ولا يرد.
لكن ألا يحيرنا ابن المنير عندما قال:"أو فلعلهم يؤثرون في هذه الحال سد آذانهم بالوسطى"!؟
فأي اختيار لهذا الدهش المحتار وقد فاجأته الصواعق ليترك ما هو من عادته بوضع السبابة إلى وضع الوسطى!؟
حقًا، هذه لا تقبل منه.
وأما قوله:"إن عدم استخدام كلمة المسبحة لأن الموصوف لا يسبح"؛ فهذه ضميمة في كلام الزمخشري وأنها مستحدثة من قبل أهل الإسلام، ولم يرد الشيخ شيئا مما عرض به ابن المنير، وإنما أراد الشيخ تنبيهنا إلى أنها ألفاظ مستحدثة، لا يعترض فيها على آخر أعرض عنها لعدم وجودها في ألسنة الناس.
لكن ابن المنير أصاب في قوله:"إن غرض التمثيل تصوير المعاني الذهنية بالمحسوسات لقربها من الإنسان"، وهذه كلمة قالها الزمخشري قبل ذلك في قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} ، وقال كلامًا رائعا، هو عمدة من تكلم عن المثل وقيمته في كلام الناس عربًا وعجما، حيث قال:
"بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميما للبيان. ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد. وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبيّ".