فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد؛

{وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} ، كان مآل الكذب وفرضه أن يعود شره وعاقبته على قائله، أما صدقه وهو المحقق أن يكون خيره عليكم، وقد أتقن هذا الحكيم فن الخطاب والإقناع، يبدأ بهم بكون موسى على احتمال غير الصدق، ويأتيهم هنا بالتنزل أن يصيبهم {بَعْضُ} لا كل ما يعدهم، فأما الأولى؛ فهي كابتداء الشاهد من أهل العزيز، حيث يشرع بصدقها لأن هذا الأرجى والأحب إليه، فيقول: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ} ، قبل أن يقول: {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ} ، والكلام يظهر عما يطيش فوق النفوس، ويبينها جلية لا خفاء فيها، والأمر هاهنا كذلك، يبدأ باحتمال الكذب.

ثم إذا جاء لصدقه لم يجعل كل ما يعده واقعًا يقينا بل {يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} ، وهذا ادخالًا للحق في قلوبهم في خفاء ويسر، وإتيانًا لهم إلى الحق برفق دون مصادمة لنفوسهم التي استقرت زمانًا على الباطل، وهذا لا يعني أن يمتد هذا الخطاب على هذا الوجه في كل مراحل الدعوة والمناظرة والإبانة، فلذلك قوله -أي هذا الرجل الصالح-: {يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} ، إنما هو من قبيل الخطاب الذي يحمل سامعه إلى أدنى ما هو فيه، إبعادًا له عن الإثقال الذي تأباه النفوس، كما أنه إخفاء الانحياز التام لموسى، فهو يتكلم عن بعض -لا كل- حتى لا يكشف ما استقر عليه قلبه من الاتباع التام.

هذا قول الكثيرين، وقال بعضهم: إن بعض في لغة الخطاب الإلهي عند العرب تطلق على الكل، واحتجوا لها بشعر، ويقال هنا: هب هذا صحيحًا، لكنه لا يعني إزالة استخدام البعض لمعنى الكل تحقيقًا لما تقدم ذكره من معاني.

وهذا يدل على أن حملة الحق في ابتدائه أهل علم وفهم، وأهل وعي ودراية، يقذفون الحق بلغة الحكمة الرفيعة، فإن رأيت أن مبتدأ قوم هم السفهاء، وأن رؤوسهم الذين ينشرون أمرهم ويدافعون عنهم هم الحمقى، وأن لغة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت