بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.
من قواعد القرآن الكريم النهي عن الشر وعن وسيلته، وهذا الأمر صار قاعدة فقهية مقررة، أن الوسائل لها حكم غاياتها، وقد لا تدرك الغايات في الابتداء لعدم وضوحها مع مقدماتها، ولكنها تبدأ هذه المقدمات بالزيادة والوضوح حتى تنتهي إلى مستقرها السنني، وفي سورة النور بيانٌ جلي لهذه المسألة، فإن الله تعالى قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} ، وهذا تنبيه إلى تقريرات ما أرادته السورة من النهي عن فاحشة الزنا، وهي جريمة عظيمة لا تقع من غير مقدماتها، فبعد أن بيَّن الله أحكام هذا الجرم العظيم؛ شرع بعد ذلك في بيان حرمة مقدماته، وافتتح هذا بقوله المتقدم: {لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} ، فجاء النهي عن هذه الخطوات من أولها، وذلك بقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِم} ، وهذا أول الأمر، كما أنه تقدم قبل ذلك التنبيه على وسيلة الخلوة، بل وسيلة النظر، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} ، ذلك لأن الاستئذان وضع من أجل النظر كما قال الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، فذكر وسيلة النظر ووسيلة الزنا، فأما وسيلة النظر فهو الهجوم على البيوت بلا استئذان، ووسيلة الزنا وهو النظر، وقد نبتت نابتة اليوم تستحل مصافحة الأجنبية، ومن المعلوم أن اللمس أبعد من النظر، فكيف يجيز الشارع الوسيلة الأقرب ويحرم الأبعد، هذا من الشر والغلط على دين الله تعالى، حتى لو لم يصح عندهم حديث النهي عن مصافحة الأجنبية؛ ففي الآية: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} ذكر لحدي الفعل، أعلاه وأدناه، وهو تطبيق لقوله تعالى: {لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} .
وفي السورة موانع إصابة هذه الجريمة العظيمة، وذلك بذكر المساجد وروادها، وذلك في قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} ، ذلك لأن ملازمة المسجد من موانع هذه الجريمة.
في سورة النور بناء الإنسان والمجتمع، فهي تبدأ بذكر هذا المرض الخلقي -وهو الزنا- وتذكر موانعه، كما أنها تذكر مواطن الخير التي يبنى فيها المسلم التقي وهي المساجد، ثم تأتي إلى خاتمة البناء وهو ذكر الاستخلاف،