فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛

ففي خاتمة ذكر المجادلين بالباطل في سورة غافر قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ} ،

وهذا يدل على استقرار آيات الله تعالى، وأنها صارت في أس وضعها غير متهمة ولا منفية، بل هي قضية ثابتة، فجاء إليها هؤلاء على غير طريق نفي صحتها، ولا مصدرها، بل جاؤوا إليها لصرفها عن حقيقتها، فقال تعالى: {أَنَّى يُصْرَفُونَ،} والصرف لفظ في اللغة يدل على التغيير والتبديل، فانصراف المرء من مكانه يعني أنه غيره، وصرف المرء لماله يعني تبديله وتغييره، ومنه أخذ صرف الدنانير، ويشتق منه عمل معنوي كقوله: {صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} أي أبعدها عن الحق، أو غير ما فيها من الحق للباطل، وكذلك يقال صرف الحديث أي تزيينه، وهو تغيير له من حال إلى حال أجود وأحسن، وكذلك قوله: لا يقبل منه صرف، أي بدل، أو عمل مادي، ومنه صرف الدراهم والنقود، فهذان معنيان في الآية، أولهما إبعادهم عن الحق، وهذا بعد وضوحه لهم، وثانيهما هو تغييرهم وتبديلهم الحق، تصرفًا فيه من أن يكون على الوجه الذي أنزل عليه، وهذا إنما يكون بعد ثبوت أصله.

وهذا الفعل وصف حكمه في الآية التالية في قوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} ،

وفي هذه الآية بيان رباني أن من ترك الحق فلا بد أن يؤتى الجدال بالباطل، فهو لن يسكت، ولن ينقطع، بل سيبقى في الميدان زاعمًا أنه يملك الحجة والبرهان، وأهل الباطل على الدوام لا تعدم لهم شبهة، ولا تنتهي مناوشتهم وهوشاتهم، ومن الغلط الانشغال بهم، لأن في هذا إهانة للحق، فالمطلوب هو بيان الحق والرد على أصول الأقوال، وأصول أدلتها، أما الذهاب مع المجادلين كل مقال ومذهب، فهذه ليست طريقة القرآن الكريم.

ومن تأمل سياق هذه الآية وجدها بعد قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ، ذلك ليعلم المؤمن بالقرآن أن القدر الإلهي ليس مردودًا بالكلمات التي يجادل بها أهل الباطل، فلن تبقى كلماتهم إلا مجرد كلمات وفقط، وأما الفعل القدري فليس مربوطًا بها، كما قال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} ، فكل كلمات الناس وصراخهم وسبهم وتصريفهم للكلام، إن حسنًا أو قبحًا لن تستطيع دفع العاصفة القادمة؛ ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت