لأن البعض يظن أن قدر الله مربوط بكلمات الكافرين إن هددوا أو أملّوا غيرهم، وهذا ما يظنه الطغاة أنفسهم من أنفسهم، فتأتي هذه الآيات لتقول: الكلمات والصراخ والتزيين وتصريف القول، وكذا اختياراتكم في آمالكم واعتقادتكم لا تغير قدر الله تعالى، ولا تقدر على دفعه، فالحق هو الوجود في عالم الغيب، فنفيكم لوحدانية الرب لا يعني أنها نفيت الربوبية، ونفيكم للبعث لا يعني أن البعث قد نفي، فهذه مجرد كلمات وهم، وهذه قيمتها، وأما الحقائق فهي بيد الله تعالى: {فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ، فكلمات الله فقط هي التي تصنع الأقدار، فهي الحقيقة دون غيرها.
هؤلاء الواهمون يعيشون حالة وصفها الله تعالى بقوله عقب ذلك: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ * ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ} ، هذه هي الحياة التي يصنعها الوهم، ويصنعها الجهل بعالم الحقائق، فهم بهذا الوهم الذي ظن أنه يملك شيئا، ومستند لعظيم حقيقي، وهذا في قوله تعالى على لسانهم: {بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا} فما هو إلا وهم، لكنهم في الدنيا ظنوه شيئا، واليوم يعلم أنه ليس بشيء؛ ذلك لخلوه عما اعتقدوه فيه، ومن كان ظانًّا أن كلماته تصنع الحياة فهو فرح بغير الحق، وهو بعد ذلك يعيش الفرح في حياته.
وفتح هذه الآية بقوله: {أَلَمْ تَرَ} لتعلم أن هذه حقيقة يعلمها النبي ممن جادله، وهي حقيقة يعلمها كل من قام بالحق بين الناس؛ فإنه سيرى ولا شك هذه الصورة من الجدال بالباطل، فما عليه إلا الصبر كما قال بعدها: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} .
إضاءة:
لصاحب نظم (الدرر) لفتة علمية غالية في استدراك الكافرين في قوله تعالى: {قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا} . قال رحمه الله تعالى:
"ولما رأوا أن صدقهم قد أوجب اعترافهم بالشرك؛ دعتهم رداءة المكر ورذالة الطباع إلى الكذب، فاسترسلوا معها فبادروا إلى أن أظهروا الغلظ فقالوا ملبسين على من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ظانين أن ذلك ينفعهم كما كان ينفعهم عند المؤمنين في دار الدنيا: {بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا} ، أي لم يكن ذلك من طباعنا".
هذا الذي قاله الشيخ وجها من وجوه تفسيرها، ولفائدة ما فيها ذكر هنا.