فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛

ففي قوله تعالى في سورة يوسف: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} ، قال الزمخشري:

"ولم تقل:"فهذا"وهو حاضر، رفعًا لمنزلته في الحسن، باستحقاق أن يحب، ويفتتن به -في الأصل"ويتفنن به"، وأظنه خطأ مطبعيا-؛ وربئًا بحاله، واستبعادًا لمحله، ويجوز أن يكون إشارةً إلى المعنى بقولهن:"عشقت عبدها الكنعاني"؛ تقول:"هو ذلك العبد الكنعاني الذي صورتنّ في أنفسكن، ثم لمتتني فيه"، تعني:"أنكنّ لم تصورنه بحق صورته، ولو صورتنه بما عاينتن لعذرتنَّني في الافتتان به"". انتهى كلامه الرائع.

عقب أحمد ابن المنير قائلًا:

"وبهذا أجبت عما أورده من السؤال في قوله في أول البقرة: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ} لَمَّا جعل الإشارة إلى الحروف المذكورة فقال: إن قلت: كيف أشار إليها وهي قريبة كما يشار إلى البعيد -أي بقوله"ذلك"-؟ وأجاب هو بأن كل متقض بعيد، وأجبت أنا بأن الإشارة ب"ذلك"إلى بعد منزلة هذا الكتاب بالنسبة إلى كتب الله تعالى". انتهى كلامه

قلت: لأهل البلاغة في هذا صنوف من التأويل والتفسير، وللسكاكي كلام رائع يرجع إليه، عماده أن الإشارة موضوعة أصالةً للمحسوس؛ فاستعماله فيما لا تدركه الإشارة -كالشخص البعيد مثلًا- مجاز أن تجعل الإشارة العقلية كالحسية لما بينهما من المناسبة.

والسيد الشريف الجرجاني في تعليقه على (الكشاف) قال:"وقيل: وإنما صحت الإشارة إليه مع أنه ليس بمحسوس لأنه جعل كالمحسوس"، إشارةً إلى صدق الوعد.

ولهم كذلك تفنن قريب من هذا في سورة الأعراف، وذلك عندما قال الله تعالى عن الشجرة الممنوعة على آدم وزوجه -عليهما السلام-: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ} ؛ فكان لفظ البعيد (تلكما) ، وهذا بعد المعصية، وأما قبلها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت