فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

آلة الجاهلية تصنع أدواتها بحسب الحاجة التي تضمن لها الاستمرار، وتحقق لها مقاصدها في العلو على المغلوبين والمساكين، وفرعون ليس طاغية على قومه فقط، لكنه مستعبد للعبرانيين من بني إسرائيل، وحين جاء موسى -عليه السلام- إليه بدعوته جاءه بمطلبين: التوحيد وترك بني إسرائيل ليرحلوا عنه، وهذه مطالب تقوض سلطان فرعون من كل جهة.

استعان فرعون بوزيره هامان، كما استعان بالعميل الإسرائيلي قارون، والعجيب أن قارون هذا كان من قوم موسى، فهو إسرائيلي، كما قال الله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ} ، ومع أمر فرعون لقومه بقتل الذكور من رجال الإسرائيليين واستحياء نسائهم، إلا أنه سمح لقارون بهذا النماء السرطاني تحت ظل سلطانه حتى صار كما قال تعالى: {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} ، وهو حين يسمح بهذا النماء والغنى إنما يفعل هذا ليتخذه آلة ضد قومه الإسرائيليين، ولذلك قال الله تعالى عنه: {فَبَغَى عَلَيْهِمْ} .

فهذا وزير (هامان) ، وهذا عميل ضد قومه الذين هم في الهوان (قارون) ، وهؤلاء السحرة الذين يبسطون على سلطانه الهالة التي تخضع الناس بجمهورهم الجاهل من خلال الخداع والتلعب بهم.

هذه أدوات الجاهلية في سلطانها، وهي أدوات الطاغوت في كل زمان، ليتم له الدوام في بسط سلطانه.

في قصة مؤمن آل فرعون يذهب الطاغية لهامان طالبًا منه: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} ، وهذا دليل على قدرة هؤلاء القوم على البناء، فهو يطلب سلمًا له من الطول ما يذهب في السماء عاليًا حتى يصل لما يتوهم، وهذا عند أهل العقل دليل على أن موسى -عليه السلام- أخبر هذا الطاغية أن ربه في العلو، لكنه العلو المطلق الذي هو محيط بكل الكون من كل اتجاه، وهو حين يطلب هذا الطلب يقدم معه جزمه بكذب المقابل: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} ، وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت