فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

ولما كان العلم في هذا الدين دين، وكان الإنسان كلًّا واحدًا، وكان العلم هو انطباع المعلوم في النفس؛ كان جلاء النفس ومرآتها هو أعظم ما يحقق العلم الصحيح، ذلك بأن أي سوء يقع على مرآة النفس ينطبع سوءً على المعلوم الواقع عليها، ولهذا كان الصلاح والتقوى وخشية الله وذكرى الدار الآخرة هو ما يحقق جلاء مرآة النفس ليقع عليها الصورة الصحيحة بلا تغيير أو تبديل، ليتم الإخبار عنها بعد ذلك على وجهها الصحيح، ولذلك جعل القرآن في سورة النجم الرؤية منسوبة للقلب، كما في قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} ، فالشأن هو إصلاح هذا الرائي، وما العين إلا وسيلة له، وإنما العبرة به، وهذا شأن العلم، ولذلك قال تعالى في هذه السورة -أي النجم-: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى} ، فجعل علة الجهل غياب معنى الدار الآخرة عن القلب، ولذلك أفاض بعد ذلك في السورة الحديث عن الطاعة جاعلًا عطاياه سبحانه تعالى -ومنها العلم الذي تحصل به الولاية ولا طريقة لولاية الرحمن إلا به- مربوطة بالابتعاد عن مفسدات مرآة القلب والنفس فقال سبحانه: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى، الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} ، وإن من أعظم مفسدات الوجود علمًا وعملًا هو الغرور ونسبة الإنسان نفسه للمعالي دون الخلق مما يورث الترفع والفساد، ولذلك قال تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} ، وتأمل كيف جمعت السورة بين الكذب وبين ترك الطاعة في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى، وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى، أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} ، ذلك بأن الكاذب أول ما يهلك نفسه بإفساد مرآتها، كما في الحديث: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) ، وإنما الثوب الأول يكون حاجزا عن نفسه من رؤية الشيء على حقيقته كما هو في الوجود والتقدير الإلهي، ومن مارس هذا الفساد على مرآة قلبه ونفسه صار كاذبًا لا يصدق، ولا يقع هذا إلا لأن عين قلبه صارت معطلة أو فاسدة، ولذلك في الحديث: (وما زال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت