فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الطيبين وعلى صحبه أجمعين. أما بعد؛

فإن القرآن يتحدث عن فرق الناس مع الإيمان بوضوح وجلاء؛ فهو يتحدث عن المؤمنين والكافرين والمنافقين، وهذا بيّن في السورة الجامعة لمعاني القرآن الكريم، وهي سورة البقرة، وذلك في جملة ما ابتدأت به من بيان هذه الفرق، وكما هو معلوم فقد أكثرت من ذكر المنافقين فوق ذكر المؤمنين والكافرين، والقرآن يقسم الكافرين إلى قسمين: ملأ وأتباع، ويقسم المنافقين إلى مترددين وقساة ثابتين على نفاقهم، وهكذا يفصل آياته ليعرف الناس صفات كل طائفة، لكن القرآن يعرض عن بيان الجموع التي لا أثر لها في معركة الحق والباطل، استخفافًا بها، وعدم رعايةٍ لأمرها، لأنها في واقع الأمر كذلك.

في سورة الشعراء أراد فرعون الجميع حاضرة، وخاطبهم خطاب الخبث والمكر، فقال الله تعالى عنه: {وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} ، وهذا كما نرى عدم إنصاف في الاختيار، إذ لم يذكر إلا حالة كون السحرة هم أهل الغلبة في هذه المنازلة العظيمة، وجمع الناس كذلك كان مطلب موسى -عليه السلام-، كما في سورة طه حيث قال فرعون: {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى} ، فكان رد موسى -عليه السلام-: {مَوْعدكُمْ يَوْم الزّينَة وَأَنْ يُحْشَر النَّاس ضُحًى} ، وهذا هو مطلب الغلام كما في قصة أصحاب الأخدود، حيث طلب جموع الناس ليشهدوا مقتله، وقد شرحت هذا في (درك الهدى في اتباع سبيل الفتى) ، والقصد أن هذه الجموع قد حرص الجميع على جمعها وحضورها؛ فرقة الإيمان رجاء إسلامها، وفرقة الباطل لتغريرها، ولكن القرآن الكريم أغفل ذكر حركة هذه الجموع، وغيَّب حالها واختيارها، وكأنها ليست شيئا، لأن واقع الأمر كذلك، فهي غثاء لا قيمة لاختيارها، ولا لقراراتها، فغاب ذكرها حيث غاب قرارها وغاب تأثيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت