هذه الجموع وإن كانت كثيرة، ولو بلغ عددها مبلغ السيل؛ لكنها غثاء فيه، والغثاء هو مجرد قش طاف تسوقه تيارات القوة المائية التي تسري تحته وتتلعب به في اختياراتها هي، دون إرادة منه.
إذًا العبرة ليست في العدد، إنما العبرة بالتأثير، ولذلك يعرض القرآن أكثر حالات الإيمان كحالات فردية لها قوة خطابها وقراراتها كما في قصة سورة يس، وكما في ذكر امرأة فرعون، وكما في ذكر لوط -عليه السلام- مع الخليل -عليه السلام-، وهكذا.
في قصة أصحاب السبت من بني إسرائيل أبرز القرآن الحالتين الواضحتين بجلاء: الفرقة المؤمنة، والفرقة العاتية عن أمر ربها، وجاء ذكر الواقفين جماهيريا يتفرجون، ويعيبون على الناهين، فقالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أو مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} ، ولما وقع العذاب أغفل الله ذكر هذه الفرقة، فلم يأت عليها بخبر، لا نجاة ولا عذابًا، وما ذلك إلا لهوانها على الله في هذا الباب.
الذين يصنعون التاريخ هم من يستحقون الدخول في كتابه، وكتاب ربنا هو كتاب تاريخ الإيمان وحال الناس فيه، وما جرى بينهم من خصومة، ثم ما وقع من مآلات كل فريق، لكن هؤلاء الذين يعيشون في هامش الحياة من أجل دنياهم، ويجلسون في مقاعد الجماهير الناظرة فقط، فهؤلاء لا كرامة لهم، وبذلك لا يستحقون الدخول في صراع الحق والباطل، ولا في دخول كتاب الحياة.
حالة إيمان جماعية عظيمة حصلت، وسجل القرآن حدثها، ومشهدها المؤثر، وهي ما وقع لأهل الأخدود، ومن عجائب هذه الحالة مع كونها حركة جموع، إلا أن عاقبتها أعظم عاقبة -وهي عاقبة الشهادة-، فلم تختلف عن حالة السحرة كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-:"كانوا في الصباح فجرة كفرة وفي المساء شهداء بررة"، أي السحرة من قوم فرعون، وكذلك كما في قصة صاحب يس، فهؤلاء استحقوا دخول كتاب التاريخ العظيم، وكتاب الحياة العزيز، فسجل موقفهم أعظم تسجيل وأحسنه.
الجموع والجماهير ليس قيمتها في عددها، ولا في كثرتها، ولا في حضورها لمشاهدة الأحداث وسماع الأخبار والكلام، لكن قيمتها حين تختار الإيمان، وتتحمل نتائج هذا الاختيار، فتقبل على الإيمان لأنه الإيمان، ولأنه