فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد نبي الله الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد؛

فمِن أفسد ما قيل في هذا العصر من بعض زاعمي الفكر الإسلامي أن الكتاب الكريم كتاب عمومات، وذلك من أجل فتح المجال لهم بالتقول على الله بلا علم، ولتركهم النظر فيه للإجابة على أسئلة الوجود والنوازل، وهذا مما أورث زهدًا بالتفكر في الكتاب العظيم، لأن المرء يقبل على الشيء لفائدته في نفسه، فإن خلا عن الفائدة زهد فيه، وهؤلاء يقولون: الإجابات على مهمات الحياة ليست في الكتاب تفصيلًا، وإنما هي ألفاظ عامة، ثم تملأ الفراغات التفصيلية باجتهادات الناس العقلية المستقلة حينًا والموروثة من العقول الجاهلية حينًا آخر.

مما نطق به الكتاب قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} ، وقد صرح القرآن الكريم أن فيه الإجابة التفصيلية لكل نوازل الحياة وأسئلة الناس الوجودية، وذلك في قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ، وإذا كانت التوراة -وهي ليست بمنزلة القرآن في لغتها ولا علومها- قال الله تعالى فيها: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} ، وقال عما كُتب له في الألواح: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاح مِنْ كُلّ شَيْء مَوْعِظَة وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْء} ؛ فما بالك بهذا الكتاب العظيم!؟

ومن أسباب صرف العقل المسلم وقلبه عن النظر في الكتاب فصلهم آيات الأحكام عن كله، وظنهم أن آيات الأحكام محصورة فيما نطق به من أحكام مباشرة، كما في الفرائض وحد الزنا والقذف، وأحكام الأيمان والشهادة والطلاق، وكأن الحياة القرآنية هي تلك الأحكام الخاصة بمثل هذه الوقائع، هذا مع أن القرآن في أصل هدايته هو كتاب الصراع بين الحق والباطل، وهو كتاب الله الهادي للفئة المؤمنة في صبرها وثباتها وجهادها وما يعرض لها من نوازل في مسيرتها المهدية من خطوب في هذا الباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت