فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 275

بِسْم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛

ما زلنا مع الجدال الباطل لدحض الحق في سورة غافر سورة الفرادة، كما في صورة مؤمن آل فرعون وهو يهجر قومه لما بان له من الحق الذي أتى به موسى -عليه السلام-، وذلك من قوم لم يكن عندهم دليل يستندون إليه إلا كونهم الملأ الذي يريد بسط فكرته ودينه وقوانينه بالقوة ومظاهر الطغيان فقط.

يقول تعالى: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} ، هذا النص القرأني جاء بعد قوله: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ .. } ، وتختم الآية بقوله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} .

فهذا الاتباع القائم على الشك وعدم اليقين يورث الارتياب، وهو موجب للترك بمجرد حصول العوارض اليسيرة، ولذلك قالوا: {لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا} .

وهذا قوله تعالى في سورة الشورى: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} ؛ ذلك لوجود التفرق في الأسلاف، وهذا التفرق يصنع الشك والارتياب في الأبناء والأحفاد.

ما الذي حصل إذًا بعد يوسف -عليه السلام-، وهم قد دخلوا دينه مع شك وارتياب؟

الذي وقع هو الترك، وهذا الترك لا بد له من تبرير بعد ذلك، وهذا التبرير هو الجدال بالباطل، فقوله تعالى بعد ذلك الآية المتقدمة من سورة غافر: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا} ، فإذا هو جدال التبرير في الإعراض وعدم الاتباع.

كان من عظمة هذا النص القرآني أن جعل معيار الحق قبول الصالحين له، وهذا كثير في القرآن، كقوله تعالى في سورة هود: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} ، والصواب أن الشاهد هنا هو الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه، و كذلك قوله تعالى في سورة الحديد: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ} ؛ فقد جعل قوة الحق بقوة المؤمن به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت